يمكن تقسيم  المراجع أو الإصدارات  التي يبحث عنها المهتم  بالمعلومات عن العلاقات الروسية الخليجية والسعودية بحسب الفترة الزمنية التي يبحث عنها  مثلاً  ما يخص  الفترة الممتدة من أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين سيجد الباحث كنز من المعلومات عن علاقات الخليج والجزيرة العربية بروسيا القيصرية في أرشيف وتقارير الدبلوماسيين والضباط وقباطنة السفن الروسية هذا الأرشيف أغلبه محفوظ كمصادر أولية في أرشيف الدولة للسياسة الخارجية الروسية بشكل رئيس ملفات السفارة في القسطنطينية والملف الفارسي ,وأرشيف الدولة العسكري والتاريخي وأرشيف الدولة  للأسطول الحربي البحري,وأرشيف المستشرقين في معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السياسية .

ومن المواد التي عرضت هذا الأرشيف ورقة بحثية مهمة  نشرتها دارة الملك عبد العزيز لإيفيم ريزفان ترجمها د.عوض البادي من مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية وللبروفسور  إيفيم ريزفان أيضاً كتاب  بعنوان كتاب سفن روسية في الخليج 1899 م- 1903 م  صدر باللغة العربية عام 1990 م .

ونستعرض بشكل سريع أسباب اهتمام روسيا بالخليج العربي مع ذكر أهم المصادر والمراجع لكل فترة فكان  توجه أنظار روسيا للخليج لأسباب كثيرة منها أن المنطقة كانت تحت حكم خصم روسيا القيصرية التقليدي الإمبراطورية العثمانية فكان لابد أن تهتم روسيا بهذا الجانب من العالم و زاد هذا الاهتمام خطط  ألمانيا مد خط سكك حديدية من تركيا إلى بغداد وربط البحر المتوسط بالخليج ما يهدد المصالح العسكرية والاقتصادية الروسية وكان في البدء  الوسيلة الوحيدة هي إرسال السفن الحربية وكان الهدف من تسيير أوائل السفن الحربية هو إرسال إشارة لبريطانيا بكسر الاحتكار البريطاني وان روسيا تعتبر الخليج مفتوحا لسفن العالم دون أي نوايا عدوانية أو إحراز  مكاسب إقليمية .

 أيضا كان لاهتمام روسيا بالخليج بالإضافة للأسباب السياسية أسباب جغرافية لوجستية  اقتصادية وهي أن روسيا بحكم موقعها  لابد أن توجه  نظرها  للبحار الدافئة نظرا لان البحار في روسيا غير مفتوحة وقسم منها داخلي وبعض بحارها متجمد طول السنة  فكان الوصول للمياه الدافئة شعار ثابت في السياسة الروسية لأنها كانت تبحث عن بحار تربط بين إيران و الهند وتبحث عن موانئ لتوزيع بضاعتها . فنشطت الملاحة الروسية وإرسال السفن الروسية للخليج خاصة بين عام 1899 م حتى العام 1905 م  , فتعاقبت السفن  والبعثات الاستكشافية فكان نتاج هذا النشاط كم كبير من المراسلات والتقارير تصف بدقة  ظروف الملاحة و وأحوال المرافئ والحالة التجارية والسياسية و الاقتصادية والاجتماعية للخليج ورصد هذه التحركات بالتفاصيل وكتب عن  مقابلات قباطنة السفن لشيوخ الخليج واستقبال السكان و مشايخ المنطقة للروس إيفيم ريزفان كما ذكرنا في ورقته المنشورة بالدارة وبشكل أوسع في كتابة سفن روسية وكذلك تناولت هذه الحقبة دراسة الدكتورة نادية الدوسري بعنوان  ( محاولة التدخل الروسي في الخليج العربي) إصدار عن دارة الملك عبد العزيز أيضاً وتناولت الدراسة  بالتحديد الفترة الواقعة بين عامي 1880 م ـ 1907م  فاستعرضت  الأنشطة الروسية بالخليج وخاصة بلاد فارس ومحاولات روسيا للاتصال بمختلف القوى السياسية في نجد، وأهمها  الملك المؤسس عبد العزيز ال سعود .

وكل من وصف  استقبال السكان ومشايخ الخليج  للروس يصف الاستقبال بأنه مرحب بالروس وكان فرصة للسكان أن يسمعوا عن أحوال المسلمين  في روسيا حيث كان البريطانيون  يزعمون أن روسيا تُجبر المسلمين على اعتناق المسيحية و انه لا يوجد مساجد  في روسيا بعكس بريطانيا وكان سبب ترحيب السكان ومشايخ المنطقة بالروس أنهم كانوا يعولون على بريطانيا لمساعدتهم على إنهاء تبعيتهم لتركيا وفارس ولكن اقتنعوا بأن المساعدة البريطانية ستقود لتبعية أخرى فكان ظهور السفن الروسية وفتح بعثات القنصليات وحساسية بريطانيا من  إظهار العرب انه يمكن لروسيا تكون حليف في سعيهم للحد من الاختراق الانجليزي والعثماني فبدأ العرب استخدام اتصالاهم مع الروس في صراعهم الدبلوماسي مع بريطانيا  , بالمقابل  كانت  ردات فعل القوى الإقليمية على هذه التحركات غير مرحبة  خاصة بريطانيا التي كانت  قلقه من الاهتمام الروسي بالخليج  الذي يهدد احتكارهم للمنطقة  فكانت تقاوم أي محاولة مد روسي في المنطقة .

بالإضافة للتقارير الاستخباراتية الروسية من الدبلوماسيين والضباط ورصد حركة الملاحة الروسية وأرشيفها  الذي يصف أحوال السكان و يعكس صورة الصراع الدولي على الخليج هناك أرشيف لا يقل أهمية وهو تقارير ومراسلات الأطباء الذين زاد عددهم بعد انتشار الطاعون وكانت روسيا توفدهم للاهتمام بالحجاج الروس وكانت بريطانيا دائماً تنظر لهم بتوجس على أنهم عملاء خصوصا لأنهم كانوا يقدمون العلاج للسكان مجانا وكانت اغلب تقاريرهم  عبارة عن إحصاءات طبية مفصلة ,وكذلك العلماء  الموفدين للخليج من علماء نبات و علماء يفدون لدراسة سلالات الخيول العربية,وكذلك من المصادر المهمة التقارير وما كتب  حول الحج حيث زاد اهتمام روسيا بالحجاج وأحوال الحج بعد عام 1898م وهي السنة التي انضمت فيها تركستان رسميا لروسيا وبلغ حينها عدد المسلمين المواطنين الروس ستة عشر  مليون و في البداية كانت الدولة  تضمن  ولاء السكان المحليين لروسيا إلى أن قامت أعمال  شغب في منطقة  كرا وطشقند وانديجان قائمة على شعارات دينية فرأت السلطة ضرورة  تحليل الوضع الديني ودور المحرضون العثمانيون الذين نقلوا  لدول آسيا الوسطى وحتى الفولغا أفكار الوحدة الإسلامية وكان التحالف الألماني  التركي و ألمانيا  خصوصا حينها تستخدم  اللعب بالورقة الإسلامية  ضد روسيا وبريطانيا ما جعل خطر دعاية الحركة الإسلامية بالغ الأهمية  لروسيا  وان الحج يبدو المصدر الرئيس للدعاية المناهضة لروسيا حيث كان يقدر عدد الحجاج تقريبا ب10000 حاج روسي سنويا ولأن الحج ظاهرة تؤثر في ولاء المسلمين في روسيا للحكومة  تم إرسال الضابط الروسي المسلم ضابط الأركان العامة عبد العزيز دولتشاين  فأعد تقرير  سري بعد الزيارة  يصف أحوال الحجاج وطريق رحلتهم ويصف الوضع الأمني والصحي في الحجاز ويوميات وطقوس الحج وأفضى التقرير إلى أن خطر الحج في بث أفكار الحركة الإسلامية كان مبالغا فيه وفي مرحلة لاحقة قام دولتشاين بدور فاعل في إصدار قانون متسامح تجاه فريضة الحج .

تبع دولتشاين كثير من العملاء السرين  لتقصي أحوال الحج لكن بقيت رحلة وتقارير دولتشاين هي الأبرز وكتب عنها أيضاً  إيفيم ريزفان  كتاب الحج قبل مائة سنة عبد العزيز دولتشاين ومهمته السرية إلى مكة سنة 1898 م  صدرت الطبعة العربية  من بيروت عام  1994 م .

وبسبب أهمية الحج بالنسبة لروسيا أقامت روسيا أول  إقامة  قنصلية  روسية في جدة علم 1891 م  تتولى تسهيل و  تنسيق  الحج  مع أشراف الحجاز  للحجاج القادمين من روسيا وكان القنصل في جدة غير مستقل تماما حيث كان يعمل تحت إشراف السفير الروسي في اسطنبول وكانت وظيفته بشكل أساسي متابعة شؤون الحجاج الروس.

 

وعودة  لاهتمام روسيا بالخليج نرى أنها اهتمت بالاتصال  بشكل رئيس بالموانئ  خاصة في مسقط والبحرين و البصرة وبوشهر وفي ما عدا موضوع الحج كانت الجزيرة العربية تحظى باهتمام اقل من الخليج العربي في الوثائق الروسية ولكن الدكتور صبري الحمدي ذكر في كتابه ( الخليج والجزيرة العربية في المصادر الروسية ) عدة مراجع روسية كتبت عن الجزيرة العربية وتعتبر كنز لم يترجم بعد بحسب تعبيره  أهمها  بحث (تومارا) عن الجذور الاجتماعية للحركة السلفية التي ظهرت في نجد أواسط القرن الثامن عشر  , ودراسات  (بيرشتيس) عن النظام الاجتماعي والسياسي في شمال الجزيرة العربية في القرن التاسع عشر  والثلث الأول من القرن العشرين  , ومؤلف  م . شوراكوف بعنوان (تاريخ نجد الحديث) , و مؤلفات ( بوندتريفسكي ) عن أوضاع الجزيرة العربية  خلال القرن الثامن عشر والتاسع عشر ,وأيضاً كتاب  (ن. بروشين ) بعنوان ( العربية السعودية ) الذي يُعد بحسب الدكتور صبري أول محاولة روسية لتحليل قيام الدولة السعودية.

هذا الاتصال والاهتمام الروسي بالخليج الذي نشط  في الأعوام بين . 1899 م حتى العام 1905 م  وبدأ ينخفض بعد عام 1905 م بسبب هزيمة روسيا في حربها مع اليابان وانشغال روسيا بالاضطرابات الداخلية الروسية وبسبب الخوف الروسي البريطاني من تصاعد قوة ألمانيا  جعل القوتين يتوصلون عام 1907 م إلى اتفاق تم بمقتضاه تقسيم مناطق النفوذ في أواسط آسيا وفارس وأفغانستان  والخليج  فسلمت بريطانيا بنفوذ روسيا في شمال فارس مقابل اعتراف روسيا بالنفوذ البريطاني في جنوب الخليج العربي وبهذا خففت الاتفاقية التناقضات بين البلدين وساعدت على قيام وفاق بين بريطانيا وروسيا .

و بعد هذا الاتفاق بسنوات قليلة اندلعت الحرب العالمية الأولى عام  1914 م فانشغلت روسيا في الأحداث العسكرية والسياسية بعد انضمامها للجبهة مع بريطانيا وفرنسا ضد ألمانيا والنمسا والمجر  ,وفي عام 1917 م قامت ثورة أكتوبر التي أنهت الحكم القيصري وأُعلن تأسيس الاتحاد السوفيتي الذي اتبع سياسة خارجية على وفق أفكار الثورة الاشتراكية  مع بقاء واستمرار  وجود القنصلية الروسية التي أنشئت عام 1891 م  حتى بعد قيام ثورة أكتوبر 1917 م.

ومن المواد التي تعد مرجع مهم لوصف الفترة من أواخر عهد الأشراف بالحجاز وحتى  انتصارات الملك عبدالعزيز في ضم الحجاز عام 1924 م وتأسيس الدولة السعودية ورقة للدكتور فيتالي ماؤ ومكين بعنوان  الدبلوماسية السوفيتية في الحجاز الانطلاقة الأولى إلى الجزيرة العربية 1923 م – 1926 م .

ورغم أن روسيا كانت أول دولة  غير عربية تعترف رسمياً بالملك عبد العزيز  حاكم للسعودية عام 1926 م  وزيارة الملك فيصل للاتحاد السوفيتي عام 1932 م  لكن روسيا سحبت بعثتها الدبلوماسية  عام 1938 م ,واتصفت العلاقة بالركود بسبب ميل السعودية أثناء  الحرب الباردة للمعسكر الغربي ضد روسيا وكانت روسيا بالمقابل تقدم الدعم العسكري للأنظمة الماركسية في اليمن و أفغانستان وكانت السعودية ترى أن هذا الدعم هدفها  إضعاف  السعودية بسبب تحالفها  مع الولايات المتحدة وهكذا أستمر الجمود ووصل أحيانا للتناقض  إلى أن سقط الاتحاد السوفيتي عام 1990 م  وبدأ بعدها معالم عالم جديد يتشكل .

 

 

 

 

 

من الصعب وصف مواقف روسيا التاريخية  من القضايا العربية من جهة أو من الكيان الصهيوني بأنها داعمة أو مناهضة بشكل حاسم فلطالما نظرت روسيا السوفيتية للشعوب كقطع شطرنج في النضال من أجل سيادة الماركسية ,صحيح أن الاتحاد السوفيتي دعم  قيام دولة إسرائيل واعتبر ستالين أن (الصهيونية هي بمعظمها اتجاه اشتراكي وتنحدر من أوروبا الوسطى وتحمل إمكانية ثورية على مستوى المنطقة ، لكن هذا الدعم لم يطل كثيرًا وتحول الاتحاد السوفيتي عن الكيان الصهيوني منذ الخمسينات وتوجه لمساندة القضايا والحركات القومية العربية)[1].

واعتمدت القيادة السوفيتية حينها على علاقات الصداقة التي تربطها بقيادات إسرائيل التي كان يتزعمها الاشتراكيون. لكن الاتحاد السوفيتي في عام 1953م  قطع علاقته بإسرائيل في إثر انفجار قنبلة في مقرّ بعثته في (فلسطين المحتلة)، واستؤنفت بعد أشهر من العام نفسه. وفي 1967م عقب حرب الأيّام الستة، قطع الاتحاد السوفيتي علاقاته بإسرائيل مرة أخرى، ولم يتم استعاده العلاقات إلا في أواخر الثمانينات .

تحول الاتحاد السوفيتي إلى دعم الدول العربية خاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م ،فدعم المطالب العربية  بانسحاب بريطانيا من مصر ومنح سوريا ولبنان الاستقلال، وشهدت الفترة من 1952م إلى 1955م مشاركة فعالة من ممثلي الاتحاد السوفيتي في الأمم المتحدة أثناء مناقشة قضايا استقلال المغرب وتونس.

وظهر الدعم السوفيتي بشكل أكبر بعد أن أعلنت الحكومة المصرية تأميم قناة السويس في المؤتمر الذي عقد في لندن عام 1956م,وأنها ستدفع تعويضات إلى ملاك الأسهم في شركة قناة السويس،لكن الدول الغربية حاولت إرغام مصر على إعادة تسليم القناة مرة أخرى إلى فرنسا وبريطانيا، ورفض حينها وفد الاتحاد السوفيتي ودول عدم الانحياز أي خطط عدوانية على مصر، لكن فرنسا وبريطانيا واصلتا الإعداد للعدوان العسكري لكن كان للضغط السوفيتي دور في تعزيز موقف مصر وسرعة إنهاء العدوان[2].

في الستينات والسبعينات الميلادية استمر الدعم السوفيتي للحركات التحررية الشعبية العربية خاصة منظمة التحرير الفلسطينية بداية السبعينات بعد وفاة حليفها جمال عبد الناصر وتولي السادات للحكم بسياسته الموالية للغرب فبدأ الاتحاد السوفيتي البحث عن شركاء جدد لضمهم للتحالف ضد القوى الامبريالية,وهنا رغم تكرر دعم الاتحاد السوفيتي  للقضايا وللحركات القومية العربية  لكن لا يمكن أن نصفه بأنه دعم كامل وكبير، (فالسياسة السوفيتية كانت تقوم على تسليح المنظمات الفلسطينية بما يكفل عدم الاستسلام وليس الدعم الكافي للتفوق على إسرائيل ودون التدخل المباشر للدفاع عنها[3]).

في عقد الثمانينات ضعفت الدولة السوفيتية وبدأت تظهر معالم الانهيار، وأصبح العامل الاقتصادي أولوية على العامل الإيديولوجي في العلاقات الدولية على خلاف عقد الستينات والسبعينات وفي أواخر الثمانينات حين بلغ ضعف الدولة أقصى مراحله اتجه الاتحاد السوفيتي  إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وفي عام 1989م فتح الاتحاد السوفيتي باب الهجرة لإسرائيل أمام اليهود السوفييت رغم الاحتجاج العربي، فوصل عدد المهاجرين من ذلك التاريخ حتى عام 1993م إلى 450 ألف مهاجر،كما تراجعت روسيا عن موقفها في الأمم المتحدة من اعتبار الصهيونية موازية للعنصرية. وفي نهاية عقد الثمانينات أيضا وبعد انسحاب السوفييت من أفغانستان عام 1989م سعت القيادة السوفيتية إلى إرساء علاقات متبادلة مع واشنطن و التعامل بواقعية مع الأحداث في الشرق الأوسط بالتخلي عن مبدأ -عدو عدوي صديقي – وعن الدعم المؤدلج للبلدان ذات التوجه الاشتراكي فقط لكونهم يعلنون رفضهم للسياسة الأمريكية .

كان الاتحاد السوفيتي  بعيد عن المحادثات بشأن الصراع العربي الإسرائيلي إلى أن نشبت حرب الخليج الثانية، فتم فرض ضغوط من أجل تسوية متعددة الأطراف وعدم انفراد أمريكا بدور الوسيط الأوحد ، فشهد عام 1991م جولات وزير الخارجية الروسي إلى الشرق الأوسط، في ذلك الحين حرصت روسيا  الدخول في التسوية كأحد الوسطاء حتى تتجنب أي تسوية تضر بمصالحها حتى وإن كانت مشاركتها في عملية السلام  بشكل الراعي الثانوي بحيث لا تزال أمريكا الراعي الأول، ولا يمكن هنا المبالغة بأن روسيا بدخولها المفاوضات كانت راعيًا مؤيدًا للمصالح العربية ، لكن كان وجودها كراعٍ للسلام يحقق توازنًا قد يخدم القضية أحيانا .

كان موقف روسيا دائمًا في عملية السلام التأكيد على الالتزام بتنفيذ اتفاقيات السلام والحثّ على استئناف المفاوضات بين الطرفين،ورفض سياسة الاستيطان في القدس الشرقية، مع تحميل إسرائيل تعثر عملية السلام والتشديد على ضرورة محاربة الإرهاب من جميع الأطراف، والتوقف عن رمي الجانب الفلسطيني وحده  بالإرهاب[4].

وبهذا نرى أن عقد التسعينات مر بدخول روسيا كشريك في عملية السلام، وإن لم يكن وجودها أدى لتقدم عملية السلام أو دفع لمكاسب للشعب الفلسطيني، لكن يمكن القول إن روسيا حافظت على مسافة الوسيط دون الانحياز لإسرائيل.

مع دخول الألفية وخصوصًا في عام 2008م حدث تطور مهم للعلاقة الروسية الإسرائيلية وهو الأزمة الجورجية وما تحمله من الجانب غير المعلن عن دور إسرائيل وتعقيد العلاقات وانعكاسها على سياسة روسيا في الشرق الأوسط.

حيث أرسل جيش دفاع الكيان الصهيوني إلى جورجيا عشرات الخبراء العسكريين ,ولم تكن العلاقات عسكرية فقط بل منتعشة اقتصاديًّا، هذا علاوة على البعد الفكري والفلسفي، فكلا الدولتين تنظر إلى نفسهما على أنها مزروعة في وسط جغرافي وفكري غير مرحِّب بها.

في عام 2008 م أعلن رئيس وزراء إسرائيل وقف تزويد جورجيا بالسلاح حتى لا تغضب روسيا، وكان التصريح الصهيوني من وقف دعم جورجيا من أجل  إيقاف مشروع روسي يهدف للرد على ذلك بإمداد إيران وسوريا بالسلاح الروسي المتقدم ردًّا على الدعم الصهيوني لجورجيا التي تعتبرها منطقة نفوذ روسي.

وفي العام نفسه  أغسطس 2008م قامت القوات العسكرية الروسية بقصف قاعدة عسكرية تحديدًا لأنها القاعدة الجوية التي يقوم فيها خبراء جيش الدفاع الصهيوني بتطوير الطائرات الجورجية؛ وكانت الضربة رسالة مباشرة إلى الكيان الصهيوني أن روسيا على علم بالدور الصهيوني في جورجيا،هذا  ويصرح كثير من المحللين الإسرائيليين أن بيع السلاح لجورجيا حسن من موقف إسرائيل وقدرتها على الضغط على روسيا؛ لأن إسرائيل الآن تستطيع  أن تقول لروسيا إذا قمتم ببيع أسلحة هنا في الشرق الأوسط فإننا نستطيع أن نفعل الشيء نفسه في جورجيا.

وأيضًا من أسباب الوجود الصهيوني المكثف في جورجيا هو أن جورجيا  منطقة يتم تجهيزها لتكون مكانًا عند القرار بتوجيه ضربة لإيران، حيث لا يفصل جورجيا عن إيران إلا دولة أرمينيا وهي صغيرة المساحة، فالوجود المنظم لإسرائيل في جورجيا مدعوم من أمريكا؛ لاحتمال استخدامها كأداة لتنفيذ سياسات أمريكا، و قد تحصل على غنائم سياسية واقتصادية.

كذلك من أسباب اهتمام إسرائيل بجورجيا هو خط الأنابيب البحري الذي يمتد من بحر قزوين إلى البحر المتوسط، ويمرّ عبر أذربيجان وجورجيا وتركيا وبعدها إلى البحر المتوسط وهو الخط الوحيد الذي يربط نفط آسيا بأوروبا دون المرور عبر إيران وروسيا[5].

وبهذا يتضح أن إسرائيل بشكل عام في علاقتها مع روسيا تحرص على ألّا تفقد العلاقة الاستراتيجية مع روسيا، ولكنها تعمل بشكل غير مباشر على إعاقة عودة روسيا إلى لعب دور سياسي دولي بارز، لأن هذا لا يخدم المصالح الصهيونية التي تستفيد بشكل أكبر من الأحادية القطبية للولايات المتحدة الأمريكية.

تغيرت الأوضاع بخصوص العلاقة الروسية بالكيان الصهيوني مع مستجدات الأوضاع بالمنطقة مع ثورات الربيع العربي خاصة بعد الثورة السورية، فشهدت العلاقات تقارب وتنسيق أكبر فإسرائيل ترى أن في وجود روسيا تخفيف للتهديد الذي يمثله الأسد وحلفاؤه الإيرانيون وحزب الله،وكان هذا التقارب الروسي- الإسرائيلي عملية تدريجية، كما وصف ذلك الباحث سمير رمان في دراسة عن العلاقات الروسية- الإسرائيلية قدمها عام 2017م؛ يصف موقف صناع القرار الإسرائيلي أنهم في البداية ظنوا أنّ سقوط الأسد أمر محتوم لذا نأوا بأنفسهم عن النزاع، تجنُّبًا للدخول في صراع مفتوح مع سوريا ما بعد الأسد، ولكن مع بقاء الأسد في السلطة وتزايد وجود داعش دفع الإسرائيليين إلى تغيير موقفهم والاتجاه نحو تحالف أقوى مع روسيا، لضمان السيطرة على قوافل الأسلحة المتجهة إلى حزب الله,وبناء على هذه الحاجة الإسرائيلية لروسيا استرضت إسرائيل بوتين وقلّصت تعاونها العسكري مع جورجيا الذي بدأته بعد الغزو الروسي لأوسيتيا الجنوبية عام 2008م، ولم تُدِن إسرائيل ضمّ روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014م.

كما ترى إسرائيل أن تنسيقها مع روسيا ضرورة سياسة واستراتيجية، تعتقد روسيا من جهتها أيضاً أن الانسحاب التامّ من الشرق الأوسط، كما فعلت إدارة أوباما، سيتسبب في اضطراب في المنطقة، وسيساعد في تعزيز التطرف الإسلامي، وبذلك نرى أن التعاون الأمني المتزايد بين إسرائيل وروسيا تحرّكه رغبة مشتركة في تجميد الصراع، ومحاربة الإسلام المتطرف، واستباق عدوانية إيران وحلفائها.

هذه الحاجة أدت إلى أعلى درجات التنسيق بين روسيا وإسرائيل خاصة في المجال الجوي، حيث يجري الطيران الإسرائيلي طلعات مستمرّة في الأجواء السورية بهدف السيطرة على نقل الأسلحة الحديثة من إيران إلى حزب الله اللّبناني، ومن جانب آخر فإن الطائرات الروسية المشاركة في العملية السورية، غالبًا ما تجد نفسها في الأجواء الإسرائيلية، واللافت أن هذا التنسيق يجري بشكل مباشر بدون مشاركة الولايات المتحدة والغرب والناتو.

لكن رغم وجود هذا التوافق والتنسيق لا يمكن إغفال أن تعقيدات قائمة بين البلدين ستجعل البلدين يجدان نفسهما في لحظة ما على طرفي نقيض فسياسة بوتين الإقليمية الجديدة التي تنطلق من معاداة الغرب لتجعل لروسيا ثقل إقليمي  في العالم،وتصاعد التوتر في العلاقات الروسية- الأميركية، والعلاقات الروسية- الأوروبّية سيفاقم الضغوطات على إسرائيل، وستجد إسرائيل نفسها في مآزق سياسية، ما يجبرها على إعادة النظر في علاقاتها بنظام بوتين الذي يرفع راية التحدي للغرب.

شهدنا مؤخراً ما تنبأ به المحلين السياسيين من حتمية لحظة الصدام بين روسيا وإسرائيل وانتهاء أجواء الانسجام والتنسيق وهو ما حدث  منتصف شهر أيلول الماضي بحيث سقطت طائرة روسية ومقتل طاقما المكون من 15 عسكري روسي  عن الطريق الخطأ من الجيش السوري الذي  كان يحاول صد هجوم إسرائيلي لذلك تم توجيه  الاتهام لإسرائيل بأنها خلقت أجواء خطرة أدى لوقوع الحادث كان الرد الإسرائيلي والأمريكي هو ابدا الأسف للحادث الذي تعرضت له الطائرة الروسية ووصف الوضع تحت إطار خطأ النيران الصديقة لكن روسيا متمثلة وزارة الدفاع وصفت تصرف الطيارين الإسرائيليين  بأنها تدل على  عدم المهنية  والإهمال وان تضليل إسرائيل لروسيا بمكان الغارات استفزاز إسرائيلي بمثابة تصرف عدائي لا يتوافق مع روح الشراكة الروسية الإسرائيلية

الاستفزاز الإسرائيلي لروسيا له عدة تفسيرات قد تكون سياسية أكثر من كونها عسكرية فقد تكون إسرائيل أو البعض يفسر بأنها أمريكا تريد أن تثبت عبر إسرائيل سهولة اختراق منظومة  الصواريخ الروسية وإرسال تذكير إسرائيلي أن إسرائيل موجودة ومستعدة ليس للدفاع فقط بل  للدفاع والهجوم في حال حدث أي خرق إيراني أو من أي مليشيا كحزب الله لذلك توجه إسرائيل مثل هذه الرسائل خاصة مع أي تقدم روسي في الحالة السورية أو عند اقتراب حسم أي معركة في جزء من مناطق الصراع في سوريا . تختلف التفسيرات للاعتداء الإسرائيلي وكذلك تبعا لها تتعدد التنبؤات برد الفعل الروسي ومهما اختلفت التفسيرات المؤكد انه الحدث أحرج بوتين وقد يتسبب بتزايد الغضب الداخلي الروسي خاصة مع ارتفاع عدد الضحايا من الروس ,أما ردة الفعل الروسية على الأرض كانت سريعة فبعد أقل من شهر على الحادثة تم تسليم سوريا منظومة دفاعية جديدة وتعزيز القوة الروسية وبدأت تهدأ التصريحات كعادة رد الفعل الروسي المتأني  وتحويل الحدث إلى أوراق سياسية بدأت بتزايد التسليح الروسي لسوريا والمتابع لردة الفعل السياسية الروسية لجميع ما تتعرض له من استفزاز هو الحصول على المكاسب الواقعية من الحدث تاركين للغير الاحتفال بانتصارات إعلامية مؤقتة, هذه السياسية اتبعتها روسيا منذ زمن الحقبة السوفيتية فرأيناها بعد أزمة الصواريخ الكوبية  رغم أن الظاهر وما احتفل به الإعلام الغربي هو تفكيك الصواريخ الروسية في كوبا بينما لم تخرج روسيا من الأزمة إلا بمكاسب سياسية تتمثل بضمانات أمريكية بعدم مهاجمة كوبا وتفكيك الصواريخ الأمريكية في تركيا , وبالتاريخ القريب رأينا ردة فعل روسيا على دعم الغرب لثورة أوكرانيا بالتحرك واسترجاع جزيرة القرم , من الاستفزازات العسكرية البارزة في سوريا حادث سقوط الطائرة الروسية عام 2015 م  ي تركيا حولته روسيا لمكسب حيث لم يبادر  العقل السياسي الروسي  برد فعل سريع بل عمل على نشر منظومة صواريخ جديدة وامام العالم بهدف الحماية من حوادث مشابهه .[6]



[1] تاريخ الشرق الأوسط من الأزمنة القديمة إلى اليوم – جورج قرم 2010 -شركة المطبوعات.

[2] من لنين إلى بوتين سياسة روسيا في الشرق الأوسط – ألكسي فاسيليف – أنباء روسيا.

[3] صناعة القرار في روسيا والعلاقات العربية – الروسية – نورهان الشيخ 1998م – مركز دراسات الوحدة العربية.

[4] صناعة القرار في روسيا والعلاقات العربية – الروسية – نورهان الشيخ 1998م – مركز دراسات الوحدة العربية.

[5] روسيا ومواجهة الغرب – د.باسم الخفاجي – المركز العربي للدراسات الإنسانية 2008.

[6]-  نظرية رد الفعل في السياسة الخارجية الروسية – ضياء حسون 2018 م

التعليقات : 0

في البداية وقفت أمام ضابط الجوازات في مطار دوموديدوفو  وبعد أن تفحص تأشيرة الدول سأل عن سبب الزيارة مدة البقاء في روسيا عن أسم الفندق وطلب ورقة تأكيد الحجز و تذكرة حجز العودة وأعطاني ورقة لأوقعها مكتوبة بالروسي هيئة الشرطي لا توحي انه لطيف لأسأل عن محتوى الورقة ولماذا أوقع فوقعت وتركته ومشيت فيما بعد اتضح أن الورقة مهمة وهي ورقة سبب الزيارة والإقامة  في روسيا  لابد تحتفظ فيها طوال بقائك في روسيا وتبرزها لموظف المطار عند الخروج وحمدالله أني احتفظت بها.

وصلت الفندق في شارع أرباط القديم وهي منطقة حيوية لكنها ليست المركز تبعد عن المركز نصف ساعة مشي ومركز المدينة هو  الساحة الحمراء والأفضل اختيار سكن بجانبها .

سأبدأ بشارع أرباط  ويقال أن أصل التسمية عربية من التتار  بمعنى ارباض أو أرباط الخيل ومنطقة أرباط  عبارة عن شارعين؛ أرباط القديم و أرباط الجديد يمتدون بشكل متوازي تفصل بينهم بعض البنايات أرباط الجديد شارع أصغر بمطاعم ومقاهي أفخم و نوادي ليلية وأمام المقاهي ساحة فيها (أكشاك)للكتب وأماكن للجلوس لا اعرف إذا كانت الأكشاك دائمة أو هي فعالية مؤقتة  اغلب رواد المكان من الشباب والطبقة الغنية ,المطاعم في روسيا بشكل عام نظيفة وتقدم طعام متنوع وجيد فيها الأكل الجورجي والاوزبكي والتركي وخيارات الأكل الحلال موجودة دائما .

أما شارع أرباط القديم فهو أجمل لأنه شعبي على جنبات الطريق  المطاعم والمقاهي ومحلات التذكارات و العازفين والرسامين من أكثر المطاعم التي لفتت نظري في المكان مطعم يقدم  التجربة السوفيتية بحيث الطعام و لباس العاملين والديكور والموسيقى جميعها مستوحاة من أجواء الحقبة السوفيتية

بشارع أرباط القديم كثير من النصب التذكارية أهمها تمثال الشاعر الروسي بوشكين وهو يمسك يد زوجته وكأنه يلقي التحية للزوار,زوجة بوشكين ليست شخصية مؤثرة أو معروفة ليوضع لها نصب لكن وضع تمثال بوشكين بجانب ناتاليا زوجته  لأنها السبب الذي أودى بحياته حيث  تتردد الروايات  أنه بسبب قصائده التي يرددها الثوار وحديثه الدائم عن معاناة الفلاحين وعدم انخراطه في حاشية القيصر   وللتخلص منه انتشرت الوشايات حول علاقة زوجته ببارون فرنسي  لاستفزازه وفعلاً ضاق  بوشكين من الوضع فدعا البارون الفرنسي للمبارزة وخلال المبارزة تعرض لجرح مات بسببه بعد أيام وهو في الثلاثينات من عمره عام 1837 م.

من النصب التذكارية بالشارع والتي لم تشد انتباهي لولا أني لاحظت أن أمام هذا النصب بالذات يجتمع كل يوم أشخاص يرفعون لافتات لأشخاص معتقلين ويقدمون خطب ساخطة يبدوا أنها معارضة فثار فضولي لماذا أمام هذا النصب بالذات وبحثت عن صاحب النصب فوجدت انه لشاعر ومغني  روسي أسمه Bulat Okudzhava  ولد عام 1924 م توفي عام 1997 م لعائلة شيوعية سياسية أعدم والده في عهد ستالين عام 1937 م و نفيت والدته فهاجر  لجورجيا البلد الأصلي لوالده وعاد لروسيا بعد وفاة ستالين منتصف الخمسينات لا تعتبر أعماله سياسية بشكل مباشر لكنه كان شاعر ومغني مستقل ما أدى لتأخر الاعتراف به  كشاعر ومغني في بلده روسيا .

في روسيا لا تكاد تدخل نقاش مع روسي عن السياسة حتى لا يفتأ يتذكر كيف أن الروس خلصوا أوربا من هتلر والنازية وأنه لولا الروس لما ربحت أمريكا  ودول الغرب في الحرب العالمية الثانية ويتذكرون بأسى الخسائر الذي تكبدها الروس حيث يقدر تقريبا ثلث ضحايا الحرب العالمية الثانية من الروس وأن هذه التضحيات لا تلقى تقدير الغرب ,لذلك لا عجب وأنت تتمشى في شارع أرباط القديم ستطل عليك رسمه (غرافيتي) كبيرة على أحد المباني لضابط روسي وما هو إلا بطل الروس الحربي غيورغي جوكوف قائد الجيش الأحمر خلال الحرب العالمية الثانية وكان له الفضل في تحرير الاتحاد السوفيتي وبقية الدول من الاحتلال النازي وعبر بجيشه حتى وصل برلين .وان كان الروس يقدرون شجاعة هذا القائد الروسي لفت نظري في مسيرته عده نقط  غير شجاعته وهو مسيرته ما بعد الانتصار حيث طلب من جيشه عدم الرد بالمثل على الألمان والتنكيل وقتل الشعب الألماني , و عين بعد استسلام ألمانيا قائد للمناطق الألمانية الخاضعة السيطرة الروسية عمل في تلك الفترة على رفع مستوى المعيشة للمدنيين الألمان وإرسال الإمدادات والمساعدات كانت مطالبه أحيانا تواجه بالرفض من القيادة لكنه يصر على تنفيذها, استطاع تكوين علاقات جيدة مع قادة التحالف إيزنهاور في أمريكا و ومونتغمري من بريطانيا مات عام 1974 م بعد علاقة مد وجزر مع القيادات السوفيتية المتعاقبة.

قبل الخروج من شارع أرباط لابد من زيارة مبنى وزار الخارجية يمثل ضخامة وفخامة المعمار في العهد السوفيتي لتصوير هيبة الدولة يعلو المبنى شعار الشيوعية وجميع المباني التي بنيت في العهد السوفيتي يعلوها شعار المطرقة و المنجل ولم يُزال هذا الشعار  بينما يختفي هذا الشعار من المباني الجديدة .

إلى مركز أو ما يشبه المكان المقدس الذي يحج له زوار موسكو الساحة الحمراء أول ما سيواجهك كسائح عند بوابة الكرملن أو بوابة الساحة الحمراء هو طابور طويل جدا  كان بجانبي سائحة فرنسية تضحك وتقول باستهزاء حتى في اللوفر طابور الانتظار ليس بهذا الطول ابتسمت في وجهها وقلت لعلنا سنقابل لينين شخصيا ,على جانب الطابور غرفة لقطع التذاكر وهنا تتجلى عدم المرونة الروسية فلكل مبنى أو كنيسة شباك مختلف قطعت تذكرة دخول الساحة الحمراء بدون تذاكر دخول الكنائس والمتاحف بداخلها وانتظرت في الطابور وعبرت التفتيش الأمني ورأيت من أجمل المناظر التي وقعت عليها عيني ساحة كبيرة في المقدمة لمجموعة كنائس مبنية على الطراز الارثودكسي الشرقي بالقبب المذهبة, بعدها تمشي مسافة قصيرة لتصل إيقونة موسكو كنيسة القديس سان باسيل بقببها الملونة قطعت تذكرة دخول الكنيسة فهذه الأيقونه لابد أن تراها من الداخل وباختلاف الكنائس التي رأيتها المبنى حجري وتم الرسم عليه بألوان زاهية تتفرد عمارتها وإيقوناتها عن أي كنيسة زرتها من قبل.مقابل كنسية سان باسيل مبنى الكرملن الأحمر وعلى الجانب الأيمن مركز تسوق تاريخي  فخم تصميمه من الداخل اقرب لتحفة معمارية فيه أكبر الماركات العالمية والمحلية وعلى اليسار مرقد لينين الزيارة للقبر بالمجان ولكنها والله اعلم خاضعة للمزاج العسكري فمرة المرقد مغلق بلا سبب و مره مفتوح للزوار ,أيضا من ضمن المباني الموجودة بالساحة الحمراء متحف armoury chamber  .قد تقضي نص يوم أو يوم كامل فقط في كنائس و متاحف وزيارة مركز التسوق والمقاهي والمطاعم من الشارع المتفرع من الساحة الحمراء.

المضحك إني بعد يومين في موسكو اكتشفت أني استطيع دخول الساحة الحمراء من خلف مبنى الكرملين أو من الشوارع الفرعية بدون حاجة للوقوف في طوابير انتظار طويلة  أو قطع تذكرة دخول .

من المفارقات العجيبة أن بلد كروسيا عرف بالقسوة والاهتمام والإنفاق على التقدم العسكري وانعكاس ذلك على جمود مشاعر الشخصية الروسية إلا إن البلد اشتهر بفن من ارق الفنون  وهو البالية ,وفي موسكو أشهر مسارح عرض البالية وهو مسرح  البولشوي لكنه يغلق سنويا فترة الصيف في منتصف شهر جولاي ويعاد يفتح في سبتمبر , مع أن المسرح كان مغلق ففاتني حضورعرض بالية راقص ولكن البالية هنا في كل مكان غرافيتي على الجدران  , تماثيل تصور راقصات البالية ,حتى أني وقفت عند مبنى جميل و التقطت له صور كان بجانبي شخص ينتظر الإشارة الخضراء لعبور المارة قال هذا قصر بناه ثري روسي لراقصة بالية شهيرة ولكن الآن الدولة تستخدم القصر كبيت ضيافة لكبار المسؤليين عند زيارة موسكو  غاب عن ذهني أن أسأله عن اسم راقصة البالية وحاولت ابحث عن اسمها لم أجده .

بعيد قليلا عن المركز وبمحاذاة نهر موسكو حديقة غوركي أسست عام 1928 م  تغير اسم الحديقة  ليحمل أسم  الأديب مكسيم غوركي دلالة أن الحديقة مركز ترفيهي وثقافي أيضاً ,وهي من اكبر حدائق موسكو و فيها فعاليات ونشاطات رياضية وترفيهية .

مقابل الحديقة متحف الفن التشكيلي الروسي وفيها اكبر مجموعة للفن التشكيلي الروسي بعضها  لرسامين ونحاتين معاصرين البعض يعرض لوحاته ويتواجد في صالة العرض و ينظم المتحف فعاليات ومعارض سنوية لفنانين سنويا حول المعرض حديقة بمحاذاة نهر موسكو  .

أكثر سؤال وصلني  عن روسيا لم يكن عن الأماكن أو البلد بشكل عام بقدر ما تكرر السؤال عن طبيعة الشعب الروسي وهل فعلا يصعب التعامل معه !.  الكثير زار روسيا في المونديال والجميع أجمع أن الشخصية الروسية فعلا لديها عائق اللغة لكنها شخصية لطيفة متعاونة بعكس الصورة النمطية لكن سأفصل في الموضوع

عند الحديث عن الشعب الروسي لابد نتحدث عن جيلين الجيل القديم من كبار السن  وعند هذه الفئة لا يتوقف الموضوع أنه لا يتحدث الانجليزية فقط  الأغلب منهم يستاء ويغضب أنك أساسا تتخاطب معه بالانجليزية وممكن يتعامل معك بفضاضة مستحضر جميع تراكمات الحرب الباردة ربما لو كلمته بالإشارة أو بأي لغة ما كان استاء بهذا لقدر لكن المشكلة أن هذا الجيل هو من ستصادفه دائما في الأماكن الحيوية في البلد فموظفي المترو و المتاحف والمرافق العامة جميعهم من كبار السن .

جيل التسعينات والشباب في روسيا يختلف تماما عن الجيل الأكبر سنا فهم جيل منفتح يتحدث الانجليزية مستعد للمساعدة وإذا وجدت روسي يتقن الانجليزية بشكل ممتاز فهو سيتعامل معك وكأن على عاتقه مهمة إنسانية وهي مساعدتك لأقصى حد وقد يظل بجانبك يعمل كمترجم شخصي حتى تنتهي حاجتك .

بالنسبة لي شخصيا لا احتاج أتخاطب مع احد طالما معي شريحة انترنت توصلني بخرائط جوجل وفي المرات القليلة التي احتجت لمساعدة كنت اطلبها من السياح مثلي أو من جيل الشباب واتجنب كبار السن قدر الامكان ..

بالنهاية روسيا بلد عظيم لم يكتشف كما ينبغي بالنسبة للسائح العربي إلى الآن ولكن يحتاج الشعب الروسي كثير من المرونة و استدام اللغة الانجليزية خاصة في اللوحات الإرشادية ولوحات محطة المترو وترجمة  مسميات الأماكن البارزة .

 

في النهاية في روسيا كثير من القصص التي لا ترويها هوليود .

 

 

 

ناصر السعيد الاسم الأكثر شهرة  من يساريي السعودية والعضو الأبرز  بالإضرابات العمالية المبكرة إضراب عام 1953م , وإضراب 1956 م ,وكان من  المؤسسين للجنة العمالية المطالبة بتحسين أحوال العمال في ارامكو وكذلك من مؤسسي جبهة الإصلاح فُصل من عمله بسبب الإضراب عام 1953م ثم أعيد للعمل بعد مفاوضات بين الحكومة والشركة  بناء على أوامر من الملك سعود .

استمر السعيد يمارس نشاطه  وكان  معروف بتأثره بشخصية عبد الناصر وأفكار الوحدة العربية ومقاومة الاستعمار  كان يوعي العمال بحقوقهم وأيضا من  مطالبه سن الدستور و إجراء انتخابات ومنح حرية التنظيم النقابي. بعد إضراب عام 1956 م حدثت موجة اعتقال وكانت شديدة لأن المطالب لم تكن مطالب بتحسين أوضاع العمال فقط كانت تحتوي مطالب سياسية  كالمطالبة بإجلاء العسكريين الأمريكيين ,كما أن تحريض ارامكو الحكومة على العمال لعب دور باستخدام القوة هذه المرة .

  استطاع وقتها السعيد الهرب ولم يعتقل مع البقية  ويذكر علي سيد العوامي في كتابه عن تاريخ الحركة الوطنية  موقف السعيد قبل هروبه ومحاولته لإخراج زملائه من المعتقل يقول العوامي عن حادثة حصلت  يوم اعتقالات عام  56 م (…ولما عرف السعيد بالاعتقالات لم يعد لغرفته بالظهران وظل مختفي وذهب للقطيف لان سبعة من الثمانية الذين اعتقلوا في رأس تنورة  وجيء بهم للقطيف كانوا من قبيلة شمر من حائل وظن السعيد أن كون أمير القطيف حمود البقعاوي من حائل سيساعده ويمكنه من الدخول على المساجين لكنه لم يستطع  فهرب للكويت ولم يعد بعدها للسعودية  وأصبح المطلوب الأول للسلطات السعودية …) .

بعد هروب السعيد عاش متنقل بين أكثر من عاصمة عربية وبسبب خبرته الطويلة في الميدان النقابي و قدرته على الكتابة والعمل السياسي استطاع أن يستعين بأكثر من 13 صحيفة عربية لإيصال قضية زملائه المعتقلين والمطالبة بحق العمال واستمر بالاتصالات الرسمية والشخصية ويصدر البيانات ويكتب المقالات ضد السعودية ويدعوا المنظمات الدولية والأحزاب الوطنية للمطالبة  بإطلاق سراح المعتقلين  أيضا كان للسعيد دور في تأسيس كثير من التجمعات منها اتحاد أبناء الجزيرة العربية ومما ساعد  السعيد هو زيادة قوة  دعم عبدا لناصر له ببداية الستينات وذلك بعد إظهار السعودية مناهضتها لقرار الوحدة  بين مصر وسوريا فوجد السعيد في تلك الفترة  مجال واسع  لنشاطه في القاهرة في الإذاعة الرسمية والمؤسسات الصحفية و أصبح يبث برنامج عبر صوت العرب يتحدث فيه عن إسراف الأسرة المالكة وأوضاع العمال السيئة لكن هذا الدعم للسعيد لم يدم  وتوقف بعد النكسة  عام 1967 م  فقد ضعف الدعم المصري للتنظيمات المعارضة والناصرية السعودية بسبب انشغال عبد الناصر ببناء الجبهة الداخلية وبعد أن أضطر  على المساومة مع الملك فيصل .

بعد مصر  انتقل السعيد لليمن الجنوبي بعد أن قامت الثورة باليمن  عام 1963 م وانشأ مكتب للمعارضة  هناك لكن بدأت تضيق عليه الأحوال  فاضطر للتنقل متخفي بين العراق وسوريا ومصر واليمن واستقر بدمشق حتى حصلت حادثة اقتحام الحرم بقيادة جهيمان فتوجه لبيروت  ليعود من جديد ويكثف هجومه على الحكومة السعودية ففي  10 ديسمبر   1979م  أجرى شهاب أحمد الصحفي في جريدة الحرية اللبنانية  لقاء مع السعيد حول أحداث الحرم وكان السعيد ينظر لها كثورة شعبية مشترك فيها أبناء القبائل و أفراد من الجيش لكن الحكومة السعودية تصورها بأنها عمل جماعة  متشددة خارجة عن القانون و السلطة تمنع أي اتصال بين الثوار وبين محامين أو صحفيين ليسمعوا مطالبهم وكان السعيد يصف شعارات جماعة جهيمان بأنها  شعارات دينية ذات مضمون تقدمي ! كما أن السعيد من خلال إجاباته على أسئلة  جريدة الحرية كان يرى أن النظام باقتحامه الحرم المكي للقضاء على الثورة  يخالف الدين ويهدم المسجد الحرام بمدافع أمريكية ويرى أن هذا  سيرفع  معنوية الجماهير التي ستستلهم  من مواجهه الثورة الإيرانية لأمريكا حافزاً لتصعيد نضالها.

مثل هذه التصريحات كررها السعيد لصحف عديدة وكان يحضر المؤتمرات ويبشر بها  وكان آخرها مؤتمر الكتاب العرب الذي عبر فيه صراحة تأييده حركة جهيمان و استعداده لدعمها بكافة الوسائل  بعد شهر فقط من هذه التحركات تم اختطاف السعيد .ولو عدنا  للوراء لحياة السعيد بعد  خروجه من المملكة  عام 1956 م   تعرض للملاحقة ومحاولات اغتيال في البداية و لكن منذ بداية السبعينات  لم يكن هناك اهتمام لدى السلطة باعتقال السعيد خاصة بعد اغتيال الملك فيصل وتولي الملك خالد رحمه الله  الحكم وإصداره عفو عام عن المعارضين السياسيين وتم دعوتهم للعودة  عاد الكثير إلا السعيد  كان يشكك في نوايا النظام  وظل حر مستمر بممارسة نشاطه حتى حادثة اقتحام الحرم وإعلانه الصريح  تأييده لها  كما أشرنا  لذلك ,.وفي 17 ديسمبر عام 1979 م اختطف السعيد واختفى في  بيروت واختلفت الروايات حول مكان اعتقاله أو قتله ومن المتورط في خطفه ولكن الأغلب يردد أنه نقل  بطائرة للسعودية وأن عملية الاختطاف تمت  بمساعدة أفراد من منظمة فتح رغم تعاون ناصر مع الفدائيين ودعمه المطلق لقضيتهم ومن يومها لم يعرف مصيره  .وحتى عام 1983 م كانت تصدر بيانات باسم اتحاد  أبناء شبة الجزيرة تطالب بإطلاق سراح السعيد التي تقول انه معتقل و يتعرض للتعذيب في سجون الرياض .

انتهت قصة السعيد ومابين تضخيم الرفاق لسيرته و روايتها  بشكل تبجيلي وما بين تعتيم الحكومة وعدم إصداراها أي أرشيف يوثق ما حدث تضيع سيرة أمثال السعيد ولا يبقى سوى بعض القصاصات والأرشيف بالدول الأخرى  ,وعودة للسعيد تختلف النظرة لسيرته بتفاصيلها ولكن  مما لا يختلف عليه أن السعيد شخصية بارزة مؤثرة ألهمت حتى هوليود هذا الجانب من قصة السعيد لم يتم إلقاء الضوء عليه بشكل كبير  والتفاصيل هي أن سيرة السعيد وصلت  لهوليود عام  1963م عندما كان هوى هوليود يساريا  حيث أُنتج  فيلم عن معاناة العمال في  الشركات الرأسمالية بالجزيرة العربية وكانت قصة البطل مستوحاة بشكل كبير من قصة ناصر السعيد كان فيلم احتفائي ويصور قصة هروبه من السعودية  أسم الفيلم الهروب من الظهران escape from Zahrain   أدى دور السعيد الممثل روسي الأصل  يول براينر Yall Brynner  وتم تغير اسم  بطل الفيلم من ناصر السعيد إلى اسم شريف لدواعي سياسية  لكن الفيلم تم تحجيمه ولم ينتشر بشكل واسع  إلا بجهود  اللجنة الإعلامية في الاتحاد السوفييتي التي  أسهمت في انتشار الفيلم نوعا ما ولم يكن هناك نسخة عربية للفيلم أو أصداء له  سوى اجتهادات بعض البعثتين العراقيين حينما رافقوا الرئيس صدام حسين في زيارته لإسبانيا واطلعوا بالصدفة على النسخة الاسبانية للفيلم  التي يُقال أن الجنرال فرانكو عرضها أمام صدام  إذ أن الموسيقى التصويرية للفيلم كانت أنشودة قومية عراقية مشهورة ( لاحت رؤوس الحرب ) وهي أهازيج من التراث القومي العراقي, ولابد من الإشارة إلى  أن الفيلم مأخوذ من رواية للكاتب الإنجليزي مايكل باريت وكان قد عمل في ارامكو  بعنوان ( التعين في الظهران) (Appointment in Zahrain ).

إن كانت  مذكرات الرفاق أو الوثائق والأفلام  التي تظهر من حين لحين تحفظ شيء من السيرة تظل رواية  أهالي الشخصيات الوطنية عموماً  غائبة ففي حالة السعيد رواية  أهله غائبة عن إكمال المشهد  المعروف أن السعيد تزوج عام 1969 م ولدية  ثلاثة أبناء وإذا كان غيابهم بسبب أنهم بعيدين  عن نشاط والدهم  أين حمد السعيد شقيق ناصر أسمه غير معروف  رغم أنه ضمن من دخلوا سجن العبيد عمل بعد خروجه بوظيفة في الخطوط السعودية  و بعد عمله بفترة جاء تعميم سري  بالقبض عليه بتهمة مناصره أخيه ناصر وأخبره أحد موظفي الجوازات بالتعميم فهرب لبيروت ومنها انتقل لبراغ  وكانت حينها المعسكر الاشتراكي ودرس فيها و بعدها انتقل لإيطاليا وعمل بالتجارة ثم عاد للسعودية.

كان الأمل أن مرور أعوام طويلة قد يشجع البعض للحديث وإظهار بعض الوثائق لكن يبدو أن الأجواء لا تزال غير مرحبة بأي صوت يقدم روايته الخاصة وهذا يعيد التخوف والكتمان وتطوى كثير من الروايات ,كما أنه يبدو أن تسوية الحكومة مع اليساريين  والعفو عنهم وإعادة جنسياتهم ووظائفهم  منتصف السبعينات كانت مشروطة بالعفو مقابل الصمت للأبد أو أنه صمت اختياري عرفانا بجميل عفو حكومة الملك خالد رحمه الله .

 

 

من ست سنوات تقريباَ والعالم العربي يمر بأحداث كثيرة ومتتابعة ومع الوقت واحتدام الأحداث وتعقيدها في مصر وليبيا وسوريا والعراق  تراجعت أخبار فلسطين عن المشهد , بل وحتى أصبحنا نسمع  تعليقات بأن الوضع في فلسطين أفضل الآن من سوريا والعراق وأن دموية بعض القادة العرب مع شعوبهم تعدت دموية إسرائيل !! طبعاَ مع الإشارة لخطورة مثل هذا الطرح والمقارنة مهما بلغت دموية أو ظلم أي خصم مقارنته بإسرائيل وترجيح أفضلية  إسرائيل.

أيضاَ ومن قبل هذه الأحداث كانت فلسطين تحضر بالاسم فقط  في خطابات كثير من السياسيين و قادة  الحركات أصولية دينية أو يسارية  وغيرها ومن جميع إرجاء الأرض ,وأصبح الطريق إلى القدس يمر بأفغانستان وبدمشق و بإيران ويمر بأشياء كثيرة لا تؤدي للقدس بالنهاية  وكأن البوصلة تعطلت لتحدد الموقع الجغرافي  للقدس .

المحزن غير أن إخبار فلسطين تراجعت عن المشهد و أن أسم فلسطين يُستخدم  لفظاَ فقط لارتكاب جرائم والتقدم لكل أرض بدون التقدم خطوة واحدة نحو أرض فلسطين , أننا وجدنا أنفسنا فجأة نخوض نقاشات مثل إقناع  من حولنا  بأن إسرائيل احتلال والتطبيع مرفوض ! نقاشات ما كنا نظن يوم أننا سنخوضها .

المهم هنا من بين كل ما سبق ومع زحمة الأحداث والتحليلات و متابعة الحراك الشعبي لكل بلد و تعقيد التحالفات الإقليمية و الإصطفافات المستجدة كل يوم , كان سؤال يدور بذهني دائماَ من بين الآلاف المجاهدين تحت أي لواء  ابتداء من القاعدة وصولاَ لداعش الم يخرج منهم شخص واحد شخص واحد على الأقل و يتجه لفلسطين ليطبق الجهاد في أوضح أرض للصراع هل فعلاَ لصعوبة الوصول للقدس جغرافياَ و شدة  الإجراءات الأمنية أم هو صعوبة الانخراط في الجبهات والجماعات الفلسطينية المسلحة التي تحتاط كثيراً من الاختراق !.

إلى أن جاءت  الإجابة واضحة لكن سريعة خاطفة  على هيئة خبر سريع اختفى تحت ركام الأخبار الساخنة والمستجدات والصور و مقاطع الفيديو و النقاشات والمزايدات و أي كان مما يملأ فضاءك وسط متابعة الأحداث و لا يعطيك أحيانا دقيقة تفكير أو تحليل  .

الخبر كان في (سبتمبر ) عام 2014 م عن استهداف صواريخ إسرائيلية سيارة في قطاع غزة  يقودها شاب سعودي وهو سلطان الحربي الذي انشق عن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ليلتحق عبر الأنفاق بالقتال في غزة، إلى جانب الفلسطينيين،.

وأكدت الأخبار التي تناولت استشهاد الحربي أنه انشق عن (داعش) بعد مشاهدته الجرائم التي تُرتكب في المناطق التي تسيطر عليها، وبعد معايشته القتال بين الفصائل التي تدّعي أنها «جهادية». فخرج من سورية إلى تركيا، ومنها إلى مصر، ليتسلل إلى قطاع غزة , وعُرف الحربي في غزة باسم «سلمة»، وأصيب في ساقه أول أيام القصف على القطاع، كما أصيب ببعض الشظايا في رأسه، إلا أن ذلك لم يمنعه من التنقل والمشاركة في القتال، غير أنه قتل بعد استهداف سيارة كانت تقله في الشجاعية بصاروخ إسرائيلي .

استوقفني خبر موت الحربي  في غزة وقتها عام 2014م ,  ولكنه غاب كالعادة  مع كثرة الأحداث حتى عاد  إلى ذاكرتي سلطان الحربي قبل أسابيع بعد سماع خبر اغتيال المهندس التونسي محمد الزواري على يد المخابرات الإسرائيلية ليعرف الجميع بعد حادثة اغتياله أن الزواري الذي لم يملئ الدنيا ضجيجاَ بشعارات عن فلسطين ولم يزايد على أحد يوما  و حتى لم نكن نعرف اسمه كان  ملتحق بصفوف كتائب القسام وعمل فيها قبل عشر سنوات، وكان “أحد القادة الذين أشرفوا على مشروع طائرات الأبابيل القسامية” التي كان لها دور في حرب “العصف المأكول” مع إسرائيل عام 2014م .

ومن هذين الخبرين بالأعلى نجد أن خريطة فلسطين والقدس واضحة لمن أراد , وأنه ليس بالضرورة  من يملئ الدنيا ضجيج حول فلسطين و يزايد على الآخرين بالضرورة يكون قدم شيء فعلاً لفلسطين

وأنه مهما كثرت الأحداث لابد تبقى فلسطين القضية الأولى التي لا يتخلف عليها أحد . وأن من أراد ( أراد فعلاً) الوصول لها أو تقديم دعم للمقاومة يستطيع .

والدليل نماذج  كسلطان الحربي أو محمد الزواري كيف وجدوا  الطريق لفلسطين  ! وغيرهم كثير .

لا نعرفهم لأن منهجهم الفعل بعيد عن الأضواء أو الإعلام وعن نقاشات وصخب وسائل التواصل الاجتماعي .

 

 

 

 

تحول  النفط  المورد الطبيعي المادي إلى شتيمة وهذه اللغة في التعاطي مع النفط قديمة لكن  تصاعدت هذه النبرة ليس على مستوى الشعب والجماهير فقط بل أصبحت متداولة بين العرب على صعيد الفكر والسياسة خاصة بعد الثورات العربية وقد يكون للتيارات الشبابية الحق في العدائية للسعودية وبالتالي العدائية  لقوتها لأكبر النفط بسبب وقوفها المضاد للثورات أو المتحفظ في أفضل الحالات . أيضا من الأسباب القديمة للنقمة على نفط الخليج استخدامه لشراء الذمم و باعتباره سبب الفساد والتبعية ولطالما لعب دور في عرقلة  الخيار التقدمي العربي .أو لأنه سبب ترف المواطن الخليجي الذي ما كان العربي يراه إلا بهيئة سائح مبذر  باحث عن متع محروم منها كالجنس والخمر وبسبب توافد  العمالة المتزايدة للاستفادة من الثروة  وتعرضها لسوء معاملة.

 لكن المأخذ هنا هو تحميل النفط جميع مشاكل و ويلات الأمة  العربية وحتى صار النفط سبب رئيس في  انحطاط الفن والذوق !  ويتم أحياناً تصوير النفط أنه أساس الشرور وكأن الحال كان في أحسن حالاته قبل النفط كأنه لم تكن هناك قوى عربية فتكت ببعضها قبل أن يكون  لدول النفط قوة مؤثرة .

و تحول الموضوع من مجرد نقد سوء استخدام النفط ونقد مظاهر الترف المبالغ فيها إلى سب واستنقاص  شعوب الخليج وتمني زوال نعمة النفط أو التعاطي مع الخليج وكأنه نفط فقط  وأن الخليجي بلا نفط لا شيء وأصبح الخليجي عندما  يحصل على جائزة عربية في أي مجال من المجالات في موضع شك حتما أنه حصل عليها بالرشوة أو محاباة .تصاعدت هذه اللغة حتى كاد الخليجي يعتذر عن وجود النفط على أرضه  .

اذكر هنا عدة نقاط  قد تعطي رؤية أكثر إنصاف للنفط  أولاً الانفتاح الاقتصادي مثلا في مصر كان خيار الدولة المصرية بعهد السادات بعد عهد عبد الناصر كان السادات يرغب بالخروج من سيطرة  القطاع العام والانفتاح الاقتصادي  ورفع شعار التنمية بدل الثورة والتكييف مع اقتصاديات السوق بدلا من جمود احتكار القطاع العام فأرسى دعائم تبعية مصر لمركز النظام الرأسمالي العالمي وامتداداته في العالم العربي وهذا ما فتح على مصر كل مظاهر الاستهلاك وتحويل كل شيء لمجرد أداة للكسب المادي .

النقطة الثانية سوء استخدام النفط ليس حكر على منطقة الخليج توفر النفط لنظم ثورية جماهيرية مثل العراق والجزائر وليبيا  لم ينتج ذلك تحسن نوعي لصالح الجماهير بحجم الثروة النفطية اغلبها بددت على الإنفاق العسكري وعلى رجال السلطة وكثير من الثروات العربية  تبددت سواء  نفط أو ماء أو أثار  وإن كنا مع  مبدأ المحاسبة والحرص على الثروات العربية جميعها ولكن  لماذا فقط نقد  تبديد ثروة نفط الخليج يمتد لشتم شعوبه  والتقليل من شأن الخليجي و أنه غير أهل لهذه الثروة بلغة استعلاء .

النقطة الثالثة إنكار استفادة الدول العربية من النفط طرح غير دقيق  وان كان المأمول أكبر لكن  الإنكار لأي فوائد للنفط خارج حدود الخليج  موقف غير منصف , ففوائض النفط بعد عام 1973 م خاصة وفرت  رأس المال للتنمية في الدول النفطية والدول غير النفطية عن طريق الدعم أو الاستثمار المباشر أو عن طريق تحويلات العمالة العربية الوافدة في بلدان الخليج  مثلاً في  عام 1980 م فاقت قيمة تحويلات المصريين العاملين في الخارج ثلاث مليارات سنويا هذه القيمة  تفوق قيمة دخل مصر من السياحة ومن قناة السويس ومن صادرات النفط مجتمعة . وطبعا ما يحصل عليه العامل هو نتيجة جهده وفائدة متبادلة لكن الإشارة هنا لمن  ينكر  أي فائدة اقتصادية  للنفط  .

النقطة الرابعة ما ينقده العرب من سوء استخدام النفط وتبعاته تم انتقاده من الداخل من مفكرين وكتاب خليجين لم  تعميهم رفاهية النفط  وواجبهم الوطني والعربي جعلهم يكتبون و تعرضوا لكثير من المضايقة من حكوماتهم لكن استمروا بالنقد للإصلاح و التقويم  مثل الكاتب  خليفة  الكواري في قطر وعبد الله النفيسي في الكويت وعبد الله الطريقي وغيرهم كثير .

 

 أخيراً الخليجي موجود قبل النفط , كما يقول الشاعر عبد العزيز العجلان :  ( أنا هنا ,,,قبل بئر النفط كنت هنا

قبل البدايات .. قبل الريح والحقب ). واتى النفط وحفره أجدادنا بأيديهم وبذلوا الكثير لمحاربة استحواذ الشركات الأجنبية  قال د.محمد جابر الأنصاري أبي (شارك في حفر أول بئر نفط بالبحرين لإضاءة قناديل العالم بينما لم أجد إلى أخر دراستي الثانوية مصباح كهربائي واحد ادرس في ضوئه ) .

النفط ثروة مادية وطنية شارك الأجداد في استخراجه وما يرتكبه الحكام  مستخدمين قوته ليس لشعوبهم  ذنب فيه , وليس هناك داعي  لإنكار نعيم النفط  أو الاعتذار عن وجوده . الخليجي مستمر  ويزداد وعيه و انتقاده  لسوء استخدام النفط  , لكن هذا لا يمنع لفت  النظر  لأي لغة تحيد عندما تنتقد  .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يكثر الحديث عن الذكاء الصناعي سواء من منظور تقني بحت  يساهم فيه تقنين وعلماء يناقشون الذكاء الصناعي الذي هو مستوى أعلى من مجرد تقنية البرمجة التقليدية و تطوير البرامج التي تسمح للحاسوب بتنفيذ المهام التي يحتاج الإنسان إلى استخدام العقل لحلّها , وينظرون للذكاء الصناعي كمشروع تطور علمي  قد يسهل حياة الإنسان ويشكل تقدم للبشرية .

وبما أن الذكاء الصناعي المقصود به  ليس مجرد تغذية الحاسب أو الاله  بالمعلومات بل تعليم الاله كيف تفكر كالبشر فهذا يجر إلى تعاطي الموضوع من ناحية فلسفية فإذا كنا سنصمم آلات تفكر كالبشر فلا بد لنا أن نفهم كيف يفكر البشر وهنا يُعاد طرح نقاش فلسفة العقل  إحدى فروع الفلسفة الجدلية التي تهتمّ بدراسة طبيعة العقل والأحداث الوظائف والخصائص الذهنية  بالإضافة إلى الوعي وعلاقتهم بالحالة الجسدية وخاصة الدماغ  فإذا كان من الممكن أن يكون للآلة  عقل كالإنسان فهل تملك الوعي أي حالات الإدراك والإحساس التي إلى الآن يصعب تحليلها وفهم ماهيتها بالتحديد .

وفي المقابل لهذا التبشير التقني واعتباره خطوة للتقدم وانتشار أخبار استخدام  الروبوتات  على أرض الواقع  وأصبح إعلان دولة ما  لمثل هذه الأخبار كنوع من استعراض القوة شيء يشبه نشر أخبار التسلح مثل  الأخبار من اليابان عن  تصميم فنادق تدار كاملة من طريق الروبوتات، إضافة إلى أنها تعتزم إطلاق  مزرعة  تدار بالروباوتات تقريبا وغيرها من الأخبار المشابهة .

ورغم هذا التبشير والتباهي إلا إن هناك توجس من  علماء وفيزيائيون مع زخم تسارع تطور أبحاث الذكاء الصناعي يعبرون عنه بطرح سؤال ماذا لو خرجت الآلة عن سيطرة البشر من ابرز العلماء الذين صرحوا بمثل هذه المخاوف  وفصل فيها عالم الفيزياء ستيفن هوكينغ .

هناك تخوف أخر بديهي يطرح دائماً عند الحديث عن الذكاء الصناعي وبالخصوص (الروبوت )  هل ستحل الآلة محل الإنسان هل سيفقد العمال وظائفهم فرب العمل بالتأكيد سيفضل  الآلة بسبب سرعتها وفاعليتها كما أن الآلة بطبيعة الحال  لن تأخذ إجازة سنوية أو تشتكي من ظروف العمل لكن هناك معضلة الآلة  ستكون مكلفة  لذلك ستبقى كثير من الوظائف للبشر  غلى الأقل إلى المستقبل القريب .

أيضا قد يولد إنتاج الروبوت وظائف أخرى قد تستحدث وظائف جديدة لصيانة الآلة وغيرها لكن هنا قد تكون محدودة لموظفين بمهارات معينة .

قد يكون كل هذا الحديث سابق لأوانه فكثير من المختصين مثل جون سورل يصنف أبحاث الذكاء الصناعي بذكاء صناعي قويّ و ذكاء صناعي ضعيف ويفرق بين الأبحاث العادية والأبحاث الطموحة  فالذكاء الاصطناعي الضعيف هو المحاكاة الناجحة للحالات الذهنية بدون أيّة محاولة لجعل الحاسب واعياً أو مدركاً لذلك. بالمقابل، فإنّ الهدف من الذكاء الصناعي القويّ هو جعل الحاسوب مماثلاً للتفكير البشري ونحن بعيدون عن أن نشهد انتشار للذكاء الصناعي القوي , وقد يكون النقاش  شبيه بنقاش هل تختفي الصحف بعد ظهور الانترنت وبعد عشرات السنوات لم تختفي الصحف وما حدث أنها طورت نفسها وواكبت النشر عبر الانترنت

بعيداً عن السؤال المباشر هل ستحل الآلة أو الذكاء الصناعي  محل الإنسان

نطرح سؤال أهم وهو هدف المقال هل الذكاء الصناعي سيشكل إضعاف لمفهوم القوة العاملة باعتبارها قوة ضاغطة لتحسين ظروف العمل او احد قوى الضغط عموما ؟

هل يكون الذكاء الصناعي السلاح الجديد الموجه  للطبقة العاملة  بعد سلسة ضعف وأضعاف تأثير الطبقة العاملة محاربة الطبقة العاملة بالقمع والتخويف قديم ولكنه الآن يتخذ  أساليب تهديد جديدة غير القمع المباشر هو التهديد بالبديل بدأ خاصة منذ السبعينات بعد صعود مراكز صناعية بعيدة عن دول الشمال الصناعي وبدأت الشركات متعددة الجنسيات في الاستفادة من التجارة الحرة ومن تدفقات الأموال لنقل الإنتاج إلى المواقع التي تحقق أعلى فائدة بأقل تكلفة للعمالة  فأصبحت  السلطة تهدد  بنقل المصانع إلى أماكن أخرى مما أدى  إلى إضعاف أدوات المساومة العمالية التقليدية وأصبح تأثير الإضرابات اقل اثر لوجود عمال بالداخل والخارج على أتم استعداد للعمل بدلا من العمال المضربين

أيضا في الثمانينات جرت بعض الأحداث التي أدت إلى ميل ميزان القوى ضد الطبقة العاملة مثل  فرض  الرئيس ريجان نهاية لإضراب مراقبي النقل الجوي عام 1982 م ,و انتصار رئيسة الوزراء البريطانية تاتشر على إضراب  عمال مناجم الفحم 1985م .

كذلك من عوامل ضعف الطبقة العاملة عامل مهم وهو الوجه  المتغير للقوى العاملة  فالعمال مثلا في صناعة الملابس ولعب الأطفال هم من صغار السن والبنات وهم اقل حرية وهي سمات لا تتصف بها العضوية النقابية  التقليدية  بينما بقي العاملون في قمة هيكل العمالة في قطاعات المعرفة والتكنولوجيا غير مقتنعين بأن مصالحهم ستتعزز من خلال المساومة الجماعية

أيضاً انتشار الوظائف الجديدة منخفضة الأجر في قطاع الخدمات مثل تحضير الطعام والحراسة والتنظيف وغيرها  ذات دوام جزئي وطبيعة تعاقدية قصيرة الأمد فقد يتركها العامل بسهولها لكونه شغرها في الأساس بشكل مؤقت فهو لن يضرب أو يخرج في مظاهرة لتحسين بيئة العمل .

الآن قد يكون كثرة   الحديث عن الذكاء الصناعي هو بهدف  إبراز تطور تقني  وسعي للتحسين والتطوير لكن قد يكون له وجه أخر وهو التلويح به من قبل التجار والشركات الرأسمالية الضخمة لإضعاف القوة البشرية العاملة  في مواجهة الآلة

إذا كان   رب العمل يطور أدواته ويستخدم الذكاء الصناعي كسلاح تهديد هل تستطيع الطبقة العاملة أيضا أن تستعد  للمواجهة مثل ما قام به عمال صناعة النسيج  بعد أن غابت أخبار الانتصارات العمالية لفترة  في عام 1997 م بنيويورك حيث مارسوا ضغوط  حتى حصلوا على قانون صارم للأجور وطوروا أدوات الضغط بالتحالف مع محامين و نشطاء  وجماعات حقوق إنسان وأكاديميين ومشاهير وفضح الممارسات السيئة في الصحف ومقاطعة المستهلكين للسلع .

وإعادة الاعتبار للطبقة العاملة  .

هل تدرك الطبقة العاملة وتتحد من جديد لكن هذه المرة يا بشر العالم اتحدوا

قد لا يكون الاتحاد مواجهة أو  محاربة التطور والاله قد يكون الأمر مجرد استعداد وتطوير أدوات وبدائل .

.

.

 

عن اليسار في معقل الإمبريالية – الجامعة الأمريكية في بيروت

خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بذلت الولايات المتحدة كل جهد حتى تنصب نفسها دولة عظمى وتفرض نفوذها في العالم العربي وذلك عن طريق صنع كيانات واطلاق برامج تنموية لمحاربة الشيوعية .ومن هذه الكيانات الجامعة الأمريكية في بيروت التي بدأت باسم الكلية السورية البروتستانتية على يد مبشر أمريكي قبل أن تكون الجامعة الأمريكية التي نعرفها اليوم .

المفارقة هنا ان التيارات القومية واليسارية التي ارادت الحكومة الامريكية أن تحاربها ازدهرت في الجامعة الأمريكية. فكان للجامعة الفضل بتخريج مجموعة من الناشطين في الحركات القومية الذين لعبوا في ما بعد أدواراً بارزة في بلدانهم وفي ما خصّ قضاياهم خاصة في فترة الستينات والسبعينات حيث موجة انتشار الأفكار اليسارية والقومية و التحرر من الاستعمار. فمن أروقة الجامعة ظهرت نواة أشهر الحركات القومية جماعة” العروة الوثقى” ومنها تأسست حركة القوميين العرب. وكانت المجلة الصادرة عن العروة الوثقى حينها بمثابة الكتاب المقدس للقوميين العرب في كل العالم العربي.

ورغم هيمنة جماعة العروة الوثقى على خطاب حرم الجامعة إلا أن كثير من الجماعات اليسارية نشطت  داخل الجامعة مثل الحزب السوري القومي وحزب البعث و الحزب الشيوعي للشباب.

وعلى أن سياسة الجامعة هي عدم زج السياسة في ساحات التعليم ومحاولة كبح أي تفاعل مع الأحداث السياسية إلا أن التحدي أستمر بين الطلبة و إدارة الجامعة بسبب مشاركة الطلاب في القضايا السياسية فكان الطلاب ينظمون مظاهرات دعماً للقضية الفلسطينية وتحرر بلاد المغرب العربي وضد أي شيء امبريالي منذ عام 1947 م , وعَبر الطلاب عن غضبهم  من دعم امريكا لإقامة دولة اسرائيل عام 1948م بسلسة من الإضرابات والمظاهرات والقاء الخطب وفعاليات لتقديم مساعدات مالية للطلاب الفلسطينيين والتبرع بالدم .

ونشطت المظاهرات في بداية الخمسينات مع ثورة الضباط الاحرار بقيادة عبدالناصر, وأيضاً في عام 1954 م نظمت العروة الوثقى مظاهرات ضد حلف بغداد(الاتحاد المشترك بين تركيا وايران وباكستان وبريطانيا) بسبب أن الحلف يخدم قضايا الامبريالية الغربية, وحينها وقعت اصابات بين المتظاهرين وقررت إدارة الجامعة ايقاف العروة الوثقى بشكل مؤقت واوقفت باقي الجماعات بحجة أنها تجاوزت مجال عملها الثقافي الذي أُنشئت من أجله وانخرطت في العمل السياسي, وتلاشت المظاهرات عام 1955م بعد أن حظرت إدارة الجامعة الجماعتين الرئيستين اللتين تنظمان المسيرات وهي جماعة مجلس الطلبة والمجتمع العربي وجماعة العروة الوثقى .وهنا نشير إلى أن جهود الجماعات اليسارية لم تكن مقتصرة على المظاهرات بل طالت كل ما يخدم القضايا العربية فكانت الجماعات تطالب بالتوسع في استخدام اللغة العربية واحترام الثقافة العربية  .

ورغم التضييق على عمل الجماعات داخل الجامعة إلا أن الطلاب استمروا يحتجون بشكل متقطع كرد فعل على الاحداث الكبيرة كالتفاعل مع نكسة عام 1967م ,والهجوم الاسرائيلي على مطار بيروت عام 1969م  وغيرها .

كان الطلاب يرون أن مبدأ المشاركة السياسية جزء لا يتجزأ من التجربة التعليمية وان الجامعة الأمريكية التي تروج لحقوق الإنسان وحرية التعبير تتناقض مع مبادئها في منع الطلاب من تعبيرهم عن الوضع السياسي, فكانت الجامعة تظهر بشكل متناقض كونها تقدم نفسها كمشروع يدعي الحرية وتلوم الطلاب على تأثرهم بمحيطهم العربي وتمنعهم من حرية المشاركة السياسية خاصة ان الطلاب كانوا يرون ان المنطقة تمر بظروف غير عادية .

كثير من المقالات تناولت موضوع اثر الجامعة الأمريكية ببيروت في الأحداث السياسية في الستينات والسبعينات من ضمن دور الحركات الطلابية في الجامعات حول العالم بتلك الفترة في قضايا التحرر وحقوق الأنسان أو كدراسة حالة غريبة وهي ازدهار اليسار في جامعة مدعومة من أمريكا ,ولكن كان التركيز في هذه الدراسات على الطلاب من بلاد الشام وفلسطين خاصة بسبب الصراع الفلسطيني الصهيوني المحتدم حينها وتكتفي الدراسات بعبارة ( الطلاب العرب) لبقية الطلبة العرب بدون تفاصيل.

هنا نحاول تتبع اثر الطلبة الخليجين ممن التحقوا بهذه الجامعة وتأثروا بأفكار اليسار واثروا في بلدانهم ولا شك ان دورهم كان كبير بسبب جودة التعليم واجواء الانفتاح والحريات في الجامعة وقربهم من قوى اليسار العربي والعمل الحزبي المنظم ,حيث نرى الكثير من الطلاب الخليجيين تأثروا بأطروحات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين, ونمى لدى بعضهم الاتجاه القومي بسبب الاحتكاك بجماعة العروة الوثقى. وتعدى تأثر الطلبة وحماسهم للأفكار إلى الانتظام في لجان مناصرة الثورة الفلسطينية و الثورة العمانية في الخليج ونقلوا هذا التأثر إلى بلدانهم.

وقد انجذب الطلبة الخليجيين الى اطروحات الحركات القومية واليسارية حول مختلف القضايا خاصة قومية المعركة وترابط النضال الفلسطيني بالنضال العربي, وقد يكون الطلاب الخليجين من أشد المتحمسين  للكفاح ضد الصهيونية والامبريالية الامريكية الداعمة لها بسبب ادراكهم للدور الذي تلعبه بلادهم وتحالفها مع الامبريالية كنوع من الاحساس بالذنب وتعبير عن معارضتهم لسياسية بلدانهم وكانت الحركات اليسارية العربية التي يتركز ثقلها حينذاك في الجامعة الأمريكية تدعم حركات اليسار الخليجية وتتبناها .

ومن الطلبة الخليجين الذين تخرجوا من الجامعة الأمريكية  متأثرين بأفكار اليسار و كل لهم دور فاعل في بلدانهم لاحقاً د. أحمد الخطيب وهو سياسي كويتي معروف ومن المشاركين في تأسيس حركة القوميين العرب مع وديع حداد وجورج حبش ,ومن البحرين عبدالرحمن النعيمي الذي التحق بحركة القوميين العرب ونفي من بلاده وعاد لتشكيل عدد من الحركات السياسية تضم اطياف اليسار التقدمي حتى وفاته عام 2011م , ود.علي فخرو وهو من اوائل الطلبة الخليجين الملتحقين بحزب البعث وعضو مؤسس في المؤتمر القومي العربي ولا يزال مؤثر في القضايا القومية , وعبد النبي العكري الباحث والمؤرخ للحركات اليسارية في الخليج ومن الناشطين في حقوق الإنسان الى اليوم, وغيرهم من الاسماء منهم من نعرف ومنهم من انخرط في النضال اليساري ثم اختفى .

فترة الستينات والسبعينات مرحلة مهمة لمن يتتبعها تنفي خصوصية الشعب الخليجي وانه كائن متأثر بما حوله ومشارك في النضال متى ما أتيحت له الفرصة .

 سلاماً لهم ولعل المقال يفتح ابواب النقاش والتصحيح حول موضوع تأثر وتأثير طلاب الجامعة الأمريكية  الخليجين في فترة المد القومي واليساري.

?What makes Dr. Mohammed Al-Qahtani different from most of Saudi Arabia’s opposition figures

Dr. Al-Qahtani, Co-Founder & Board Member of the Saudi Civil and Political Rights Association (ACPRA), was sentenced to ten years in prison.

Holding a PhD in economics, he has a civil academic background, not a religious one. Thus he cannot be readily accused of extremism. His reform activism stems from understanding and awareness of the Saudi reality, not from class antagonism or nostalgia for past glory days.

In December 2012, on his Twitter account, he wrote about how his human rights awareness had been formed and how he entered the reform ?activism arena. These events deserve to be re-published while talking about Dr. Al-Qahtani.

His story began in the early nineties when he was sent to study in the USA where he got acquainted with important documents about the history of KSA.

After the second Gulf War, the newspapers were full of news about the situation in Saudi Arabia: most of what was published showed the rampant corruption and the monopoly of money and power in there. All what Al-Qahtani had read, had raised questions about the reason behind the dire reality that the country was living in despite of the key ingredients for success.

After September 2001 attacks, the talk about the democratic project and building people’s participation in Politics has increased. Then Dr. Al-Qahtani had felt optimist about the councils held by King Abdullah with people. But he was shocked when he returned to the KSA in 2002 and became employed as economics assistant professor at the Institute of Diplomatic Affairs of the Saudi Arabian Ministry of Foreign Affairs. Through his work, he noticed that the majority of students rely on memorisation and do not want to make effort to learn, he was disappointed. Then he disputed with the Institute Administration on certain issues and had to meet the undersecretary of the Ministry of Foreign Affairs (Prince Khaled Bin Saud Bin Khaled). During the meeting, the Prince spoke loftily with Dr. Al-Qahtani and repeated the phrase “You are an employee and you have to obey your manager!”

Al-Qahtani responded: “My dignity is above all else, do not think I would waive a part of my dignity for a job. If I am discharged, please give me the dismissal letter; if not, I will send my resignation to the Minister and demand my rights”.

Once he finished this sentence, the prince jumped from his seat, and apologised to him for what happened, and the meeting ended.

But the attempts of betray did not end.  After two years, the prince tried to put pressure on Dr. Al-Qahtani to let a student pass undeservingly and threatened and extorted him. The issue had been resolved in the Office of the Ombudsman after holding three sessions. Then, Dr. Al-Qahtani had been summoned by the Ministry of Foreign Affairs but he refused to attend especially since the issue was resolved in the Office of the Ombudsman. After insistence, he met another undersecretary of the Ministry of Foreign Affairs, who informed him that the Minister was totally convinced that he was right and offered him the post of deputy ambassador to Washington. Dr. Al-Qahtani refused the offer and explained the reason of his refusal: the Ministry had made a mistake and wanted to satisfy him or exclude him from teaching at the Institute.

Khaled Bin Saud kept on sending threatening letters to Dr. Al-Qahtani and did not stop until Dr. Al-Qahtani sent a complaint again to the Minister (Bin Saud’s uncle). Hither, he was convinced that the issue was not individual but institutional breach of rights. In the summer of 2006, he had the opportunity to host the program of “Qad’aya Iqtissadya” (Economic Issues) which was a unique experience and through which he made an effort to raise people’s awareness about their (political) rights. But the program had been finished under pressure, from the Ministry of Interior, seemingly, for his human rights activism. Then he started, with other activists, thinking about organisational work that has resulted in ACPRA’s foundation so he had been banned from teaching later.

Al-Qahtani and ACPRA represent a different case of Saudi Arabia’s opposition: All the Association’s members remained inside the kingdom, chose to emphasise the reform option from the inside and did not try to enjoy sympathy of foreign countries or media like The Movement for Islamic Reform in Arabia (MIRA).

Dr. Al-Qahtani kept, while talking about the corruption and the royal family, using “SOME Princes” and all the matters that he talked about were not fabrications or defamations but clear evidences of corruption; he called a spade a spade away from generalities and vague slogans.  For example, in his lectures “Who are the real persons obstructing development?” and “Are we facing a proxy war in the region?”, he talked about the waste of public money in external conflicts mentioned in international newspapers. There were talks about the money provided by Saudi Arabia to overthrow the communist parties in legislative elections in European countries; in addition to fighting the Soviet Union in Afghanistan for the USA and sending hundreds of its people for Jihad (who became later terrorists in the eyes of the KSA and USA) and it opened its land, airspace and territorial waters to the USA’ troops, plus buying weapons from America at a rate of 20 billion dollars annually.

Al-Qahtani shed light on the involvement of some princes in arms deals which was published with evidence in newspapers and in foreign intelligence archives, e.g. Prince Bandar’s involvement in the arms deal signed in London between Yemen and the Soviet Union and the millions of dollars he got; Prince Bandar himself admitted on September 9th, 2001 that authority parties in the country unlawfully overcharged more than 50 billion dollars of oil revenues. Everybody knows and hears that news but the difference is that Dr. Al-Qahtani had the courage to speak about it publicly in order to reform.

This difference stems from reading and studying books, research and what the Western media publish about the Saudi Arabia and the Middle East and he does not repeat what is published, automatically but he reads carefully, speaks accurately and can distinguish the wheat from the chaff.

Also, he differs from others with speaking clearly about the Saudi international role and criticising its turning to ATM to serve American interests; others human rights and reform activists do not focus on the international role while criticising the state agencies, they only talk about few internal matters. We also note in his speech, the linkage between corruption and the waste of public money, and the external role.

The majority of opponents and human rights and reform activists, especially those with Islamic background, are known with their marginalisation of certain issues such as women rights and women driving , either because they are not convinced of these rights which constitutes a crisis in their speech and a problematic aspect of their belief in civil rights and the extent of their contradiction with their backgrounds, which opens a problem about their understanding of democracy and human rights; or out of fear of their crowd or desire to move away from what arouse the masses. But Al-Qahtani had not seen the women’ issues –even the simplest- as marginal matters: he helps his wife, Ms. Maha Al-Qahtani, to achieve her demand to drive; he accompanied her while driving on June 17th, 2011 and told newspapers that his wife drove and got a traffic ticket. Here, he exceeded the statement of his belief in women’s rights to practically participating in claiming them.

Also, he did not deceive the crowd and did not fall into the trap of discrimination among detainees; he defends the citizen regardless of their affiliation: he stood by detainees of liberal trends and from the Shiite community although he had been subject to criticism from conservatives that he defended a lot.  For him, rights are indivisible between Shiite and Sunnite or Liberal and Islamic. This indicates that Dr. Al-Qahtani has sought to overcome the traditional divisions in society and create a national reform speech disdaining sectarianism and partisan conflicts that obstruct reform efforts.

Simple things were made by Al-Qahtani but they have great meanings. For example, he always called on young people to claim their rights and to attend political trials and was accompanied by his sons to Court to indicate that he was addressing his children before the public.

People close to Dr. Al-Qahtani know the horror of the war that was launched by the Ministry of Interior against him and the ongoing smear campaigns. But at the height of the attack and despite the means of intimidation, his speech remained respectable and sophisticated to build bridges with the state.

What makes Dr. Mohammed Al-Qahtani different? It is the fact that he abandoned the post and huge offers to distract him from continuing to demand political rights and chose the rough road for the future of his country, used his culture and knowledge to raise people’s awareness about their rights and demanded them for all citizens without discrimination on the basis of sectarian and ideological affiliations.

?What makes Dr. Mohammed Al-Qahtani different

.Many thing.

.I wrote some of them and some others will be written later

…….

link for this blog in Arabic

http://www.ohoudlami.com/?p=258

التعليقات : 5

 

رقصة الفالس مع بشير

تحت هذا الأسم الغريب فلم  من انتاج اسرائيلي فرنسي  ألماني ( انميشن ) اثار ضجة وردود فعل مختلفة بعد عرضة عام 2008

بداية الفلم عن شخصية اسرائيلي اسمه ( بوز)  يعاني من كابوس مستمر 26 كلب تهاجمه , ويذهب ليشكي لصديق هذا الحلم المتكرر الذي يقول انه ربما يتعلق بتجربته السابقة وهي مشاركته في الحرب على لبنان واجتياح مخيم صبرا وشاتيلا عام 82 م شخصية ” بوز” الذي تعاني من الكابوس لا يتذكر اشياء كثيره عن حرب لبنان فيلجأ لزملائه في الجيش ليروي كل شخص منهم ما حدث اثناء الحرب .

الافت هو ردود الافعال حول الفلم بعضها رأت أن الفلم  منصف للعرب وأظهر معاناتهم  و بين جوانب من الجريمة التي حصلت في مخيم صبرا وشاتيلا خاصة أن الفلم  انتهى بعرض مشاهد حقيقية لضحايا المجزرة بينما يرى الطرف المعارض للفلم ان الاصل في الفلم اظهار ان الجنود الصهاينة يشعرون بالذنب وانهم هم ضحايا لاضطرارهم لخوض حروب وهم في سن صغير ومعاناتهم من عقدة الذنب وما هذا الفلم الا مجرد تطهير لشعورهم بالذنب وتلميع صورتهم لدى الغرب , وان اختيار صبرا وشاتيلا بالذات لإظهار ان هناك من هو ابشع من الصهاينة وهم حزب الكتائب المسيحية الذين اجتاحوا فعليا المخيمات وقتلوا الفلسطينيين بينما يظهر الفلم ان الجنود  اليهود مجرد متفرجين ويعلق جندي لزميله نحن  نلقي القنابل المضيئة فوق المخيمات ولكننا لا نقتل  .

من مشاهدتي للفلم لا اميل للرأي المؤيد تماما والمحتفي به ولا انا مع الرافض له جملة وتفصيلا ففي الفلم اشارات مهمة جدا فكما هناك  اشارات تبرر وتحاول تظهر العدو الصهيوني كضحية هناك اشارات تدينه .

فمن المشاهد  التي تظهر الاسرائيلي كضحية حوار  بين (بوز) و احد اصدقاءه حيث يقول له ربما هذه الكوابيس سببها ما شهدته ايام معتقلات النازية وليس بسبب حربنا على بيروت العودة باليهودي الى مربع الضحية,  ايضا اظهار ان بوز في بداية اقتحام المخيم اوكل اليه مهمة قتل الكلاب التي تحرس المخيم لأنه لا يستطيع قتل البشر اشارة الى انسانية هؤلاء الجنود الصهاينة .

لكن من الرمزيات التي وجدتها تميل لكفة انصاف العربي والفلسطيني تصوير مشهد جنود إسرائيليين بكامل عدهم وعتادهم  خائفين من الرصاص بينما يعلق احد شخصيات الفلم بينما الفلسطينيين واللبنانيين نسائهم واطفالهم يشاهدون منظر القصف وكأنهم يتفرجون على فلم سينمائي رأيت أن  هذا المشهد اعتراف بشجاعة العرب وجبن اليهود رغم اسلحتهم , قد يقرأ شخص اخر هذا المشهد  بطريقة عكسية ان المقصود أن العرب مشاعرهم  متبلدة فيخفف ذنب الاساءة لهم او ان التعذيب والتهجير قضاء مقدر لهم . أحد النقاد علق ان الفلم يظهر الجنود الإسرائيليين كأشخاص لهم مشاعرهم وانسانياتهم بينما يظهرون العرب كجماعة كطيف من البشر لا يتم التركيز على ملامحهم كأنهم شيء وليسوا كبقية البشر.

من المشاهد التي شدتني جداً  زيارة بطل الفلم  لأحد اصدقائه  المشاركين في اقتحام المخيمات اسمه (كارمي) المهاجر لهولندا فيسأله عن   ثروته الضخمة فيجيبه انه كونها من بيع (الفلافل ) لم اقرأ هذا المشهد الا رمزية ان اليهود والصهاينة تمادى سطوهم على الهوية و التراث وليس الأرض فقط.  

بكل الأحوال الفلم جدير بالمشاهدة لأن هذا النوع من الأفلام يشجع على إعادة  القراءة والبحث عن احداث مهمة مثل هذه  المجزرة فمثلاً من الأشياء المؤلمة أن  المجزرة التي ارتكبها حزب الكتائب بغطاء اسرائيلي كانت بحجة أن الفلسطينيين هم من اغتال بشير الجميل تبين بعد ذلك ان من اغتاله هو اللبناني حبيب الشرتوني الناشط بالحزب القومي السوري وصرح حبيب بانه باغتيال الجميل يطبق ما ينص عليه الدستور اللبناني القاضي بإعدام كل من يتعامل مع دولة أجنبية لتهديد الأمن الداخلي اللبناني  ,وكذلك تبين الوثائق بحسب كتاب ( اسرار الحرب اللبنانية ) لالان منيارغ أن مجزرة صبرا وشتيلا كان مخطط لها من قبل اغتيال الجميل .

اعدت مشاهدة الفلم بعد موت المجرم ارييل شارون الذي نعرف اسمه جيدا ويعرفها اهالي الشهداء والمعتقلين ولكن المهم معرفة الأسماء العربية  المتورطة في المجزرة:  فؤاد ابي ناظر الذي طالب الإسرائيليين بتزويده بجرافات ليحول مخيمات الفلسطينيين لحديقة حيوانات تنفيذ لرغبة بشير الجميل , وكذلك فادي افرام القائد العام الذي تولى تنفيذ المهمة وايلي حبيقة .

من الأمور المضحكة المبكية التي عرفتها بعد هذا الفلم الوثائقي أنه بعد المجزرة اقيم محكمة عسكرية اسرائيلية غرمت لواء الجيش الاسرائيلي 10 قروش لأنه اسيء فهم اوامره ! وسمي الحكم بقرش شدمي لشدة ما به سخرية واستخفاف بقيمة الدماء العربية .

 ويستمر الرقص مع بشير وشخصيات عربية آخرى …

 

الصفحة 1 of 41234