تعاني أقسام العلوم السياسية  بمعظم الجامعات المنتشرة بأرجاء العالم العربي من كثير من الإهمال وضعف المُخرجات وإن كان  ذلك بدرجة متفاوتة من بلدٍ إلي آخر. وتأتي الأقسام في المملكة العربية السعودية كأحد أبرز الأمثلة على ذلك؛ إذ يتجلى ذلك الضعف في افتقاد قدرة الجانب الأكاديمي في  الدراسات السياسية على الربط بين الظاهرة السياسية و الظواهر الاقتصادية والاجتماعية الأخرى، بالإضافة إلى شُحّ المراجع وكتب التاريخ السياسي، و إن وجدت فتأتي متوافقة  مع الرؤى الرسمية فلا يُسمح بأي رؤية مخالفة . وقد كتب موقع ( الجزيرة نت) حول هذا الموضوع أن الدليل على ضعف الجانب الأكاديمي و قصور منتجاته أن من يدير أقسام الشؤون السياسية في الإعلام السعودي هم من الصحافيين العرب . ومن الدلائل – أيضاً- على إهمال توظيف هذا القسم وتفعيله  هو عدم وجود مراكز  أو معاهد متخصصة  في الدراسات السياسية كما في باقي الدول تقوم بتشخيص المشكلات الداخلية والخارجية و طرح حلول علمية مع محاولة استشراف واقع الأمة ومستقبلها؛ في حين نرى أن كثيرا من الدول المتقدمة لاسيما الولايات المتحدة وكثير من دول أوروبا تجاوزت مراكز الدراسات السياسية العامة إلى مرحلة تخصيص معاهد لدراسة كل منطقة في العالم، وتناولها بالبحث الشامل على مستوى التفاصيل كطبيعة السكان واللغات والأديان والتاريخ حتى تقدمها للدولة التي تقوم بدورها بتوظيف هذه المخرجات بما يمكنها  فهم التعاطي مع الدول ، ويضمن لها موقع المستفيد عند التعامل في علاقاتها مع العالم الآخر.

 

وإذا نظرنا بشكل أقرب  لمناهج العلوم السياسية في المملكة، لوجدنا أنها عبارة عن سرد تاريخ المملكة، ونظام الحكم في الإسلام و نظريات ماكفيللي وغيره . نظريات بدون أي توظيف حقيقي؛ إذ تُفرد المساحات الـكبيرة لمناقشتها مع إبقائها بعيدة عن  الشأن الداخلي. ففي مادة حقوق الإنسان في الإسلام في قسم العلوم الإدارية -مثلا- يُحذف فصل الحقوق السياسية كاملاً من المنهج . وفي الوقت الذي يُمنع في كلية اللغات والترجمة ترجمة أي كتاب سياسي، لا يتاح للطالبات الانخراط في أقسام العلوم السياسية .

 

و للخوف من  دراسة العلوم السياسية  تاريخ قديم في جذور الثقافة العربية؛ إذ يقول ” مراد هوفمان في كتاب ( نظام الحكم الإسلامي في العصر الحديث ) :” منذ أن أملى رسول الله صلّ الله  عليه وسلم المعاهدة الدنيوية للجمهورية الفيدرالية في المدينة المنورة , نادراً ما حاول المسلمون بذل أي جهد فكري للتعامل مع مسألة الدولة و الحكم و من الأمثلة على ذلك الماوردي في نظام الحكم” .

 

و يُفصل على عبد الرازق في كتابه ( الإسلام و أصول الحكم ) أسباب إهمال العرب للعلوم السياسية يقول حظ العلوم السياسية بالنسبة للعلوم الأخرى هو الأسوأ فلم نعرف للمسلمين في تاريخ الحركة العلمية مؤلفاً ولا مترجماً في السياسة , ومع أن العرب مولعون بما عند اليونان من علم إلا أنهم أهملوا النظر في كتاب الجمهورية لأفلاطون و كتاب السياسة لأرسطو  مع إعجابهم به وتسميته  بالمعلم الأول. ولم يترك علماؤنا الاهتمام بالعلوم السياسية غفلة منهم ولكن لسبب وهو أنه رغم أن الخلافة عند المسلمين ترتكز على رغبة أهل الحل والعقد،  إلا أن الواقع يقول أن الخلافة في تاريخ الإسلام تقوم على أساس القوة الرهيبة فمنذ علي ومعاوية رضي الله عنهما لم يسُد عرش الخلافة إلا تحت ظلال السيف . ويضرب عبد الرازق الأمثلة  الكثيرة على الاستبداد بالحكم بالقوة وعدم ترك مجال للاختيار،  و من هذه الأمثلة ما قام به أحد الدعاة  في البيعة ليزيد  عندما قال ” أمير المؤمنين هذا ” و أشار لمعاوية  ” فإن هلك فهذا ” و أشار ليزيد ” فمن أبى فهذا ” و أشار إلى سيفه . ولهذا فأن ما أخذ بالغُلب والقوة يكون عزيزاً على النفس و لا يهون التنازل عنه ,ومن الغيرة على هذا الملك و صيانة عرشه نشأ الضغط الملوكي على حرية العلم . ولا شك أن علم السياسة هو من أخطر العلوم على أهل السلطة بما يكشف من أنواع الحكم وخصائصه و أنظمته .

 

ويختم عبد الرازق هذا المبحث بأنه إذا كان الهدف من الخلافة كما يراه الفقهاء هو إقامة الشعائر الدينية و صلاح الرعية فإن هذين الهدفين ممكن  تحقيقهما عن طريق حكومة في أي صورة كانت سواء مطلقة أو مقيدة أو جمهورية أو دستورية أو ديمقراطية , و إن مظاهر دين الله لا تتوقف على نوع الحكومة الذي يسميه الفقهاء الخلافة .

ويقول عبد الرازق  سقطت الخلافة في منتصف القرن الثالث الهجري في البلاد الإسلامية وقامت الدول المستقلة مع بقاء الخلافة في بغداد  فلا كانت شعائر الدين في بغداد أظهر ولا كانت أحوال الرعية أصلح .

وبعد تفسير عبد الرازق للخوف التاريخي من العلوم السياسية يُسقط هذه المخاوف من تدارس أنواع الحكومات  و إقامتها إذا لم ينتفي أساس إقامة شعائر الدين و صلاح أحوال الرعية .

 

واقع ضعف قسم العلوم السياسية وتراكمات أسبابه لابد أن يُطرح في هذا الوقت بالذات بعد قيام الثورات و عودة الإيمان بإمكانية التغيير للأفضل لدى الشعوب، فكما يقول أحد أدباء أوربا بعد ثورة الباستيل: جمعنا والدي وقال ” إذا فشلتم بعد اليوم فلا  تلوموا إلا أنفسكم “.

 

و بما أن الحكومات غيرت من بعض سياساتها بعد الحادي عشر من سبتمبر فالأولى أن  تعتبر هذا الربيع العربي حدث مفصلي و تعيد النظر في بعض الأمور وخاصة في وضع العلوم السياسية و ممارستها على الأقل في نطاق ضيق كبداية مثل السماح بتشكيل اللجان الطلابية، وإتاحة الفرصة لتفعيل منتجات هذا العلم وتوظيفه لفهم  الواقع   والتعامل  معه كأداة تحسين وتطوير و الكف  عن نظرة التوجس منه . ونزع هالة القداسة عن انتقاد الدولة فكونها قامت على أساس ديني ودعوة دينية لا يعطيها حصانة من النقد مع المحافظة على الثوابت  .  و اللوم لا يقع على الحكومات فقط  ، إذ على الفرد  بعد انفتاح الإعلام، وسقوط نظريات حارس البوابة،  وعدم وجود احتكار للمعلومة، أن  يستزيد من المعرفة، ويغذي ثقافته السياسية،  وألا يتهيَّب من تحليل الأحداث على أسس علمية، وعدم الاتكال على ما يُقدَّم له دونما مساءلة وتمحيص.

 

…..

كتبت المقال قبل في موقع (المقال )

هنا http://www.almqaal.com/?p=2093

وأعدت كتابته بالمدونة ببعض التعديل والإضافة