بماذا  يختلف الدكتور محمد القحطاني عن أغلب الوجوه السعودية المعارضة ؟

القحطاني هو أحد مؤسسي جمعية الحقوق السياسية والمدنية في السعودية (حسم) والمحكوم
بالسجن لمدة عشر سنوات .

الدكتور القحطاني من خلفية أكاديمية مدنية، حاصل على الدكتوراه في  الاقتصاد ، وهو ليس قادماً من خلفية دينية يسهل اتهامها بالتشدد والتطرف، ونشاطه الإصلاحي نابع عن فهم ووعي بالواقع، لا من حقد طبقي أو حنين لمجد سابق  .

كتب  القحطاني عن كيفية تشكل الوعي الحقوقي لديه وبداية دخوله حلبة العمل الإصلاحي في حسابه بتويتر في ديسمبر
2012  وهذه الأحداث تستحق أن يعاد نشرها مرة أخرى في معرض الحديث عن القحطاني .

بدأت قصته عندما ابتُعث إلى أمريكا بداية التسعينات، واطلع على وثائق مهمة حول تاريخ المملكة، وكانت الصحف بعد انتهاء
حرب الخليج الثانية مليئة بأخبار عن الوضع في السعودية، وكان ما ينشر في الغالب
يوضح استشراء الفساد واستئثار فئة قليلة بالأموال والسلطة.، وكان كل ما يقرؤه
القحطاني يثير لديه تساؤلات حول سبب هذا الواقع المتردي الذي تعيشه البلاد على
الرغم من وجود مقومات النجاح فيها.

بعد أحداث سبتمبر عام 2001م تزايد لحديث عن مشروع الديمقراطية وتفعيل المشاركة الشعبية، وهنا يقول الدكتور القحطاني
أنه شعر بالتفاؤل واستبشر بالمجالس التي كان يعقدها الملك عبدالله مع أبناء الشعب.
لكن صدمة القحطاني حدثت عندما عاد للمملكة عام 2002م وعمل أستاذاً مساعداً للاقتصاد في معهد الدراسات الدبلوماسية، ومن خلال عمله لاحظ أن غالبية الطلاب تعتمد على التلقين، ولا تريد بذل الجهد للتعلم، فأصيب بخيبة أمل ، وبعدها وقعت خلافات مع إدارة المعهد حول قضايا معينة، اضطر إثرها للقاء وكيل وزارة الخارجية(الأمير خالد بن سعود بن خالد )، وكان الأمير  يتكلم بتعالٍ مع الدكتور و كرر عليه عبارة “أنت موظف ويجب عليك طاعة مديرك”!، ردَّ القحطاني عليه
” كرامتي فوق كل اعتبار، ولا تعتقد بأنني سأتنازل عن كرامتي لأجل وظيفة وإن كنت مفصولاً فأرجوك أن تعطيني قرار فصلي ، وإذا لم أكن فسوف أبعث بالاستقالة للوزير ولن أسكت عن بقية حقوقي”.

وبمجرد إنهاء القحطاني جملته قفز الأمير من مقعده، واعتذر عما بَدَر منه، وانتهى اللقاء، ولكن لم تنتهي محاولات الغدر، فبعد سنتين حاول الأمير الضغط على الدكتور القحطاني  لإنجاح طالب بالقوة، واستخدم التهديد والابتزاز، ولم تحسم القضية إلا في ديوان المظالم بعد عقد ثلاث جلسات ثم تم استدعاء القحطاني  إلى وزارة الخارجية، فرفض الحضور لاسيما أن القضية حُسمت في ديوان المظالم، وبعد إلحاح حضر للقاء وكيل آخر لوزارة الخارجية أبلغ القحطاني  أن هناك قناعة لدى الوزير بأنه محق فيما فعل، وعُرض عليه  العمل نائبا للسفير في واشنطن فرفض القحطاني العرض، ووضح سبب رفضه بأن
الوزارة أدركت أنها ارتكبت خطأً وتريد إرضاءه، أو أنها تريد إبعاده عن التدريس في المعهد .

كانت  خطابات التهديد التي يبعث ها (خالد بن سعود)تتوالى على القحطاني ,ولم يتوقف عن ذلك حتى بعث بشكوى مرة أخرى لوزير الخارجية (خاله)،  من هنا يقول القحطاني  أن قناعةً تولدت لديه بأن القضية ليست فردية، ولكنها إخلال مؤسسي بالحقوق . في صيف ٢٠٠٦م سنحت له فرصة المشاركة في  برنامج “قضايا اقتصادية”، والتي كانت تجربة فريدة بذل فيها جهداً لتوعية الشعب بحقوقه (السياسية)، ولكن اُنهي البرنامج ضغط – كما يبدو – من وزارة الداخلية بسبب نشاطه الحقوقي، بعدها  بدأ يفكر مع مجموعة من الناشطين في عمل مؤسسي تبلور في إنشاء جمعية حسم فمنع من تدريس الطلاب
لاحقا .

يشكل القحطاني وحسم حالة مختلفة في تاريخ “المعارضة السعودية”، لأن جمعية حسم بكل أعضائها بقوا داخل المملكة واختاروا أن يؤكدوا على خيار الإصلاح من الداخل , ولم يسعوا يوماً للاستقواء ببلدان أو إعلام خارجي مثل حركة الإصلاح التي اتخذت من لندن مقراً لها.

ظل الدكتور القحطاني في حديثه عن الفساد وعن العائلة المالكة يستخدم كلمة ” بعض الأمراء”، وكل الأمور التي تحدث عنها لم تكن افتراءات بل هي أدلة واضحة على الفساد، فهو يسمي الأشياء بمسمياتها بعيداً عن العموميات والشعارات الفضفاضة. فمثلاُ في محاضرات الدكتور القحطاني (من هم معطلو التنمية الحقيقيون؟)، ومحاضرة (هل نحن أمام حرب بالوكالة في
المنطقة؟
)، تحدث عن إهدار المال العام  في صراعات خارجية كُتب عنها في الصحف الأجنبية، فالحديث متواتر عن تقديم السعودية أموالاً طائلة لإسقاط أحزاب شيوعية في الانتخابات التشريعية في الدول الأوربية, بالإضافة إلى محاربة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان بالوكالة عن أمريكا، وتقديم المئات من ابنائها كمحاربين (وقد تحولوا لاحقاً في نظر أمريكا والسعودية إلى إرهابيين), وسماؤها و أرضها وماؤها مفتوحة أمام تحركات القوات الأمريكية, وتشتري المملكة أسلحة من الولايات المتحدة بمعدل 20 مليار دولار سنوياً.

سلط القحطاني الضوء على تورط بعض الأمراء في صفقات السلاح، وهو أمر نشر وبالأدلة في الصحف وفي أرشيف المخابرات ألأجنبية، مثل تورط الأمير بندر في صفقة السلاح التي أبرمت في لندن بين اليمن و الاتحاد السوفييتي وتقاضى ملايين من الدولارات و اعترف  الأمير بندر نفسه يوم 09-10-2001 أن أطراف نافذه في بلاده تقاضت بدون وجه حق أكثر من 50 بليون دولار من عائدات النفط، الكل يعرف ويسمه هذه الأخبار لكن الفارق أن الدكتور القحطاني امتلك الشجاعة ليتحدث عن ذلك علانية بهدف إصلاحه.

إن اختلاف القحطاني هنا نابع من اطلاعه على الكتب والأبحاث وما ينشره الإعلام الغربي حول السعودية والشرق الأوسط، وهو لا يردد ما ينشر بشكل آلي، بل يقرأ بتمحيص ويتحدث بشكل دقيق ويستطيع لتمييز بين الغث والثمين فيما ينشر غربياً. كذلك يختلف القحطاني عن غيره بأنه يتحدث بوضوح عن الدور الخارجي السعودي، وينتقد التحول إلى صرافٍ آلي في خدمة المصالح الأمريكية، وهو أمر لا يركز عليه الكثير من الحقوقيين والإصلاحيين في خطابهم النقدي لممارسات أجهزة الدولة، حيث يغيب البعد الخارجي ويتم التركيز فقط على بعض الأمور الداخلية، كما نلاحظ في خطاب القحطاني من ربط بين الفساد وإهدار المال العام وبين الدور الخارجي الذي يتم تحت غطائه هدر مالي.

يُعرف عن أغلب المعارضين للدولة أو الإصلاحيين الحقوقيين القادمين من خلفيات دينية تهميشهم لقضايا معينة كحقوق المرأة ومنها قيادتها للسيارة مثلاً، إما لعدم قناعة بهذه الحقوق مما يشكل أزمة في خطابهم وإشكالاً حول إيمانهم بالحقوق المدنية ومدى تناقضها مع خلفياتهم الدينية وهو ما يعني إشكالاً في فهمهم للديمقراطية وقضايا حقوق الإنسان، وإما خوفاً من جماهيرهم أو رغبةً في الابتعاد عما يثيرها، لكننا نجد أن القحطاني لم ينظر لقضايا المرأة -حتى في أبسطها – على أنها أمور هامشية، فهو يساعد زوجته السيدة مها القحطاني في مطلبها بقيادة السيارة، ويخرج معها وهي تقود سيارتها في يوم 17-06-2011 , ويصرح للصحف إن زوجته قادت سيارتها وحصلت على مخالفة مرورية، وهو هنا يتعدى التصريح بإيمانه بحقوق المرأة إلى المشاركة العملية بالمطالبة بحقها.

كذلك لم ينافق القحطاني الجماهير ولم يقع في فخ التمييز بين المعتقلين وهو الذي يتبنى خطاباً حقوقياً يدافع عن المواطن أياً كان انتماؤه، فوقف مع المعتقلين من التيار الليبرالي ومن الطائفة الشيعية رغم تعرضه للنقد من التيار المحافظ الذي دافع عنه كثيراً أيضاً،، فالحقوق لا تتجزأ لديه بين شيعي وسني، أو ليبرالي وإسلامي، وهو ما يدلل على أن القحطاني سعى لتجاوز التقسيمات التقليدية في المجتمع وإيجاد خطاب إصلاحي وطني يترفع عن الطائفية والصراعات الحزبية المفتتة للجهود الإصلاحية. أمور بسيطة كان يقوم بها القحطاني ولكن لها معاني كبيرة، فمثلاً كان دائماً يهيب بالشباب للمطالبة بحقوقهم والحضور لمحاكمات السياسيين، وكان يصطحب أبنائه معه للمحاكمات السياسية ليشير إلى أنه يبدأ بأبنائه قبل التوجه بالخطاب للعموم.

 

المقربون من الدكتور القحطاني يعلمون مدى بشاعة الحرب التي شنت عليه من الداخلية وحملات تشوية السمعة المستمرة، لكنه وفي عز هجوم الداخلية عليه واستخدامها جميع الوسائل لترهيبه ظل يستخدم لغة محترمة وراقية في الخطاب وفي مد جسور التفاهم مع الدولة.

لماذا القحطاني مختلف؟، لأنه تخلى عن المنصب والعروض الضخمة لإلهائه عن الاستمرار بالمطالبة بالحقوق السياسية، واختار الطريق الوعر من أجل مستقبل وطنه، واستثمر ثقافته ومعرفته في التوعية بالحقوق، وطالب بها لجميع أبناء الوطن دون تمييز بينهم على أساس الانتماءات المذهبية  و الأيديولوجية.

لماذا القحطاني مختلف؟ .. أمور كثير
كتبت بعضها وسيكتب بعضها غيري لاحقاً.