في كتابه “التاريخ الشعبي للولايات المتحدة”، حاول المؤرخ الأميركي هوارد زن، إعادة كتابة تاريخ بلاده من وجهة نظر أخرى، إذ تناول اكتشاف أميركا من وجهة نظر الأميركيين الأصليين، وتحدث عن الدستور الأميركي من وجهة نظر من لم ينصفهم، من السود والنساء، وكتب عن حرب فيتنام، بعيداً عن الخطاب السياسي الرسمي البراق.

لم يعتمد زن في كتابه، على الدراسات الأكاديمية، الموافقة للرواية الرسمية، بل أعاد كتابة التاريخ عبر الاتفاقيات المهمة المتعمد نسيانها، ومقالات الصحف وسجلات المحاكم وخطابات الناس إلى أعضاء مجلس النواب وشهادات الناس العاديين، أي ما يمكن أن يطلق عليه شهادات ضحايا السياسات الحكومية، وتحالفات النخب الثرية، وأصحاب الشركات الاقتصادية العملاقة.

يطرح ما سبق تساؤلا من قبيل، من يكتب التاريخ الشعبي السعودي؟ فقد هيمن على كتابة تاريخ الدولة في سنواتها الأولى، رواية مستشاري الملك عبد العزيز، وكان تسجيلهم للتاريخ، رغم أهميته من حيث عرض الوثائق النادرة وتسلسل الأحداث، متسماً بطابع تبجيلي، وعرض وجهة نظر واحدة، كونهم من المشاركين في تأسيس الدولة، مثل كتاب حافظ وهبة “جزيرة العرب في القرن العشرين” و”خمسون عاماً في جزيرة العرب” ومؤلفات فؤاد حمزة مثل “البلاد العربية السعيدة” و”قلب جزيرة العرب”، والذي كان مجرد نقل لوصف الأحوال الجغرافية وتقسيم السكان وأنسابهم.

بسبب ثراء الدولة السعودية، وقلة الكتّاب من أبناء البلد، تطفل الكثير على عملية كتابة التاريخ السعودي، بهدف الحصول على الرضى والعطايا، فكانت كتاباتهم تحمل اسم تاريخ المملكة، إلا أنها لا تحوي أي تاريخ، بل مجرد رصف لكلمات الثناء.

في مقابل الكتب التي أخفت وجود الشعب السعودي، وسط عبارات المديح والتبجيل للملوك، كانت هناك مؤلفات الكُتاب المعارضين للسعودية، الذين أعماهم عداؤهم للنظام عن الإنصاف، إذ سخّروا كتاباتهم لذمّ الملوك وشيطنة كل ما يخص البلد وتاريخها.

بين هذا وذاك، نجد من حاول الإنصاف وإعادة كتابة التاريخ السعودي في فترة التأسيس، مثل كتاب محمد جلال كشك (السعوديون والحل الإسلامي) وعلى ذكر الكتب المنصفة، وتلك التي أعطت للتاريخ بُعدًا إنسانيًا، نذكر المخطوط “النجم اللامع للنوادر جامع” لمحمد العبيّد، الذي سجل أحوال قبائل الجزيرة العربية وأنسابهم وحروبهم قبل قيام الدول الحديثة، في بداية قيام الدولة السعودية الأولى، وانتشار الدعوة السلفية، وتاريخ الملك عبد العزيز مع القبائل، ولم يكن التركيز على الأحداث كمُنجر للملك عبد العزيز، بل يضم الكتاب، تفاصيل أحوال القبائل وتأثرهم بما حصل.

من بين الكتب، سواء تلك التي أسرفت في التمجيد، أو التي تخصصت في سرد السلبيات، أو حتى تلك التي حاولت الحياد، قلّ أن نجد من يكتب عن تاريخ الشعب السعودي، أو ما يمكن وصفه بتاريخ الإنسان البسيط العادي، وتحولاته وقضاياه ومآسيه، كيف يؤثر ويتأثر بالأحداث الكبرى، وعن دوره في البناء والتأسيس.

ولكن على الرغم من عدم وجود مشروع واضح ومهم لتدوين التاريخ الشعبي السعودي، توجد بعض المحاولات التي يمكن القول إن فيها جوانب من تدوين التاريخ الشعبي السعودي، مثل إصدارات الدكتور سعد الصويان، خاصة كتاب “أيام العرب الأواخر”، الذي وصفه متخصصون بأنه، عبارة عن تسجيل مرويات شفهية لقبائل شمال الجزيرة العربية، وفيه تحليل لعلاقة القبائل بالدولة عبر العصور، وفق منهجية علمية لا تتبنى الخط الرسمي، ليس من باب الاعتراض عليه، وإنما رغبة في الموضوعية، ولفت النظر إلى فئات مهمشة وجوانب منسية من التاريخ الاجتماعي.

أيضاً من الكتب المهمة الحديثة، كتاب عبدالعزيز الخضر “السعودية سيرة دولة ومجتمع”، الذي تناول الأحداث المهمة للعقود الثلاثة الأخيرة من عمر الدولة عبر وصف تاريخي لنمو الأفكار والأحداث والتغيرات الاجتماعية والسياسية والدينية، بما يساعد القارئ على تصور الحالة والمزاج السعودي، كما قدم الكاتب عرضاً لقضايا مختلفة من الساحة السعودية يدمج فيها تفاعل الدولة والشعب معاً.

أما كتب محمد السيف، التي تتناول سيرة بعض الشخصيات السعودية البارزة، فيمكن القول إن فيها رسالة أن البلاد، ليست مجرد ملوك وعامة لا ملامح لهم، هذه البلاد قامت وتطورت بتفاعل بين رجال الدولة والشعب، فكتب السيف مثلاً عن وزير النفط عبدالله الطريقي وعن الدبلوماسي ناصر المنقور، ولا تعتبر كتب السيف مجرد كتب سيرة، لأنه عندما يكتب عن السيرة يستدعي الشهادات الفردية ويجمع الوثائق المهمة التي تساعد على فهم الأحداث من خلال سير الشخصيات، ليصبح من الممكن الرجوع إلى هذه الكتب من أجل قراءة الأحداث والتغيرات وملامح الرؤية في السياسة والمجتمع.

في السياق ذاته، فإن كتابات محمد القشعمي، عن الشخصيات الأدبية والثقافية السعودية، تدخل ضمن محاولات تدوين التاريخ الشعبي السعودي، إذ رصد القشعمي، المتغيرات التي مر بها الشعب السعودي، على المستويين الاجتماعي والثقافي، وهو ما ظهر في أعماله التي تناول فيها البدايات الصحافية وروادها، وكذا أعماله التي تناول فيها بوادر نشأة مؤسسات المجتمع المدني، كما أنه شارك في مشروع تدوين التاريخ الشفهي، بواسطة كبار السن الذين شهدوا أحداث تاريخ توحيد المملكة.

وعلى ذكر تدوين التاريخ الشفهي، يمكن القول إن المشروع الذي تبنته دارة الملك عبد العزيز، لتسجيل لقاءات مع المعمرين المعاصرين لمرحلة تأسيس الدولة، ومن كان لهم إسهام في مجريات تاريخ المملكة، يعد من المشاريع التي تدخل ضمن محاولات تدوين التاريخ الشعبي، ويحسب للدارة أن هذا السرد كما تم وصفه  تم بكل أريحية وعفوية من كبار السن، ولكن يبقى المأخذ مدى إتاحة هذه المادة الضخمة للقراء، وهل هي متوفرة لأي باحث، وأين وصل نشر المشروع بعد الانتهاء من المادة؟.

لا يعني السعي من أجل إصدار موثق عن التاريخ الشعبي السعودي، العمل فقط على جمع الحكايات الشعبية والقصص والأمثال فقط، بدون رؤية اجتماعية وسياسية، بل المقصود هو رواية الأحداث من وجهة نظر الشعب، والتركيز على حكايتهم وقصصهم، كما أن مصطلح التاريخ الشعبي لا يعني تاريخاً مخالفاً للرواية الرسمية، بل يمكن القول إنه جانب مُكمل ومطلوب للتوازن بين دور العامة والنخب في صناعة التاريخ، حتى تتكون صورة شاملة ومتوازنة لفهم الأحداث التاريخية، إذ إن التاريخ الشعبي يقدم نسخة خاصة من التاريخ تتميز بالتركيز على الشخصيات البسيطة، وحيوية التفاصيل، مع تحري الدقة والحرص على التوثيق، إذ إن التاريخ الشعبي يعطي قيمة حقيقة لدور الفرد في صناعته، أكثر من التاريخ الرسمي، الذي يهتم بالأحداث الكبرى، وتسقط منه التفاصيل ومشاعر الناس وأفكارهم وحياتهم، والذين لا تحظى قصصهم بفرصة حقيقية لتروى بسبب تقنيات كتابة وعرض التاريخ الرسمي.