نوعان من الناس يهاجمان أو يقللان من أهمية ما ينادي به الإصلاحيون أوما يقوم به الحقوقيون من    نشاط في السعودية:

النوع الأول: أشخاص بعيدون عن السياسة وليست من اهتمامهم، ويأخذون الأمر ببساطة طالما الأمور الآن على ما يرام وبها الحد الأدنى من المقومات، وبما أنه شخصياً لديه وظيفة ويستطيع  تعليم أبنائه مجاناً، فلماذا (وجع الرأس)، وهذا النوع حتى لو أحس بفساد وتقصير فهو يرى أن هذا الأمر طبيعي وموجود في كل الدول، وهذا النوع لا فائدة من نقاشه، لأن الأمر ليس رأي سياسي أو فكر يُناقش بقدر ما هو أسلوب حياة .

النوع الثاني: مدرك تماماً لحجم الفساد وتجاوزات بعض المسؤليين والأرقام المخيفة في التفريط بالمال العام، لكنه يؤمن بأن الدولة ساعية بشكل حقيقي للإصلاح، وتراه في كل نقاش يلوح بالانجازات وبالتصريحات.

وقد يكون كلامه صحيحا، فمنذ بداية عهد الملك عبدا لله استشعرنا صدق الملك في الرغبة بالإصلاح، خاصة بعد أن بدأ عهده بتقليص مخصصات الأسرة الحاكمة، لكن ما هي حقيقة الإصلاح؟ أو قبل ذلك  أذكر قصة رواها الدكتور عبد السلام المسدي في مجلة دبي الثقافية، توضح حساسية الحاكم العربي تجاه كلمة (الإصلاح): في أحد المؤتمرات سنة 2004م، وأثناء مناقشة مبادرة مجموعة من المثقفين يدعون  للإصلاح السياسي، طالب الرؤساء العرب استبدال كلمة “إصلاح” بـ”التغيير”، لأن كلمة إصلاح تعني أن هناك فسادا!!

نعود إلى حقيقة الإصلاح في السعودية:

يعرف الجميع أن أغلب تجارب الإصلاح السياسي الداخلي أتت عقب الحادي عشر من سبتمبر، بعد أن  تخلت أمريكا عن سياسة غض النظر عن الشؤون الداخلية للدولة الحليفة ما دامت توجهاتها الخارجية متوائمة مع سياستها حتى وإن كانت الأوضاع الداخلية متناقضة مع القيم الإنسانية التي يروج لها النظام الليبرالي.

فتدخلت الولايات المتحدة لفرض إصلاحات داخلية شملت العديد من القطاعات المهمة: الإعلام، التعليم وحقوق المرأة، ولكن التدخل لفرض الإصلاحات السياسية لم يكتمل بعد أن أدرك الأمريكيون أنه لو تحقق الإصلاح فعلاً وطُبق نظام الانتخاب، فقد يصل الإسلاميون والمتشددون للسلطة فتوقف الضغط على المملكة بهذا الشأن.

إذاً، ما ساد في فترة ظننا أنه خطوة للإصلاح لم يكن إلا إصلاحا شكليا وسطحيا نتيجة ضغط دولي، ما لبث أن راجع حساباته فتوقف.

وبخصوص إصلاح القضاء، لم نسمع عنه ولم تبدأ الدولة في المبادرة بالإصلاح إلا بعد شروط الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، حيث جاء في حديث صحفي لوزير العدل في السعودية قوله إن مفاوضات الانضمام للمنظمة ساهمت في عملية تطوير القضاء في السعودية، وكان لها الدور الأبرز في صدور الأنظمة العدلية الأخيرة.

كذلك اهتمام المملكة بحقوق المرأة والعمل على زيادة حضورها، جاء بعد عضوية المملكة في اتحاد البرلمانات الدولي الذي يؤكد على ضرورة إشراك المرأة، ويشترط لذلك قبول مشاركة مجلس الشورى في اجتماعاته، مما دفع المجلس إلى التعامل مع هذا الشرط بمرافقة نساء للوفد بصفة “مستشارات”. وهذا يعني شخصيات مُختارة من طبقة معينة بشكل معين، فيكون المنتفع من الإصلاح المزعوم غالباً صنف واحد أفقي قريب من السلطة.

كذلك الشأن في حقوق الإنسان، فكل ما تفعله السعودية  بهذا الشأن هو ما ألزمها توقيعها على أربع اتفاقيات دولية في النصف الثاني من التسعينيات، حيث تُلزم هذه الاتفاقيات الموقع عليها بإعداد تقارير تظهر ما تم اتخاذه من إجراءات في المجالات التشريعية والمؤسساتية والإدارية للوفاء بما التزم به، يعني مجرد إجراءات شكلية ومظاهر مفرغة من الهدف الرئيس لهذه المعاني.

ولضمان صدق الحكومات تشترط هذه الاتفاقيات تقارير تُسمى تقارير (الظل) لمؤسسات المجتمع المدني، لتتمكن اللجان من المقارنة بالتقارير الحكومية.

لكن ماذا فعلت المملكة بخصوص مؤسسات المجمع المدني؟ تعطيل لبدء تنفيذها وفرض العواقب وضياع مسؤولية التراخيص بين الشؤون الاجتماعية ووزارة  الداخلية وازدواجية المعايير، حيث تعمل بعض الجمعيات إذا لم تكن ذات طابع حقوقي وسياسي وهدفها نفعي خدمي للمجتمع، وتُفرض العراقيل على الجمعيات الحقوقية.

وحتى الجمعية الأهلية لحقوق الإنسان في السعودية، فرغم ما تبذله من جهود، فهي لا تستطيع أن تنفصل عن الحكومة أو عن سقف معين تفرضه السلطة، فأين الرقابة الداخلية التي تعتمد عليها الجهات الدولية لتقييم أداء الدولة ومدى التزامها؟

وأيضاً أحد آليات هذه الاتفاقيات لضمان تحقيق الالتزام بما نصت عليه، تكليف ما يعرف بالمقرّر الخاص الذي يُعنى بمتابعة مسائل حقوقية متخصصة، كالاضطهاد والاعتقال التعسفي وحرية التعبير وحقوق المرأة، ويقوم بزيارة البلد وكتابة تقارير عنها، ولكن ما شاهدناه مؤخراً في أغسطس 2012م هو مبادرة ست منظمات حقوقية دولية بينها (منظمة العفو الدولية) و(هيومن رايتس ووتش)، خاطبت المملكة لحضور محاكمة الناشطين السياسيين والحقوقيين لضمان عدالة سير محاكماتهم، ولكن تم رفض السماح لهم بالحضور أو حتى التعليق على طلب حضورهم للمحاكمات.

وأغلب مبادرات الدولة للإصلاح هي من جهات خارجية والتزامات لقبول عضوية السعودية في منظمات وهيئات عالمية، وهذا في حد ذاته ليس عيبا أن يسعى النظام لتكون جزءا من منظومة المجتمع الدولي بما يعود بالنفع على الدولة والشعب في آن، ولكن من يضمن تنفيذ هذه الإصلاحات ومن يضمن الالتزام بالاتفاقيات؟

غياب الرقابة ومحاربة الإصلاحيين ومنع نقد الدولة، جعلنا نرى الإصلاح في الغالب مجرد طقوس شكلية ترفع الحرج عن المملكة وتظهرها بصورة من يطبق فعلاً هذه الاتفاقيات.

لذلك، كان نشاط الاصطلاحيين في الداخل ضرورة لأنه الضمان الحقيقي لتطبيق الإصلاحات، ولأنه القادر على مراقبة سير وتنفيذ قرارات الحكومة “لمساعدتها” في الإصلاح الذي تنشده.

وهنا دائماً نسأل: لماذا تخاف السلطة ممن يريد أن يساعدها في الإصلاح؟

قبل الختام، أعرف أنه عندما أكتب” نشاط الإصلاحيين في الداخل” ترتسم مجموعة من الأسماء في مخيلة البعض، ويرد: ولكن أنا لا أدعم الإصلاحيين في الداخل لأن لدي تحفظات على بعض ممارساتهم، فلتكتب الانتقادات ولتناقش الإصلاحيين فهم ليسوا ملائكة ويحتاجون النقد والتوجيه.

لكن المرفوض: الاعتقاد أننا بدع من الناس، وأن الأمور ستسير وفقاً لصدق نوايا الحاكم، وأمور التنفيذ والمحاسبة تبقى رهن الظروف، وأننا لا نحتاج لضغوط من الداخل.

في النهاية ..

أتمنى أن لا  يكون انتظار السعوديون لـ”إصلاح حقيقي” كانتظار غودوفي مسرحية بيكت.

 

 

…………..

 

نشر في مجلة العصر بتاريخ 19-10-2012

http://alasr.ws/articles/view/13597