القضاء و النظام القضائي في السعودية نقلاً من كتاب ألكسي فاسيليف ( العربية السعودية ) إصدار دار التقدم – موسكو .

في أواسط الخمسينات أشار الفقيه العربي صبحي المحمصاني إلى أن التشريع في السعودية واجه صعوبات تتمثل في العرف البدوي , وفي اعتراضات السلفيين الذين اعتبروا كل ما لم يتضمنه الشرع بدع .

وقال أن هذه المصاعب لم  تعق ”  موكب الحياة الجديدة”  عن السير قدماً وفقا لمتطلبات المجتمع المعاصر . وقد غذت هذه المسيرة الثورة الصناعية القائمة على النفط وانتشار التعليم و تحضير البدو .  وذهب المحمصاني إلى أن السعودية قطعت خلال ربع قرن طريقاً أطول من الطريق الذي قطعته خلال 14 قرناً قبل ذلك .

و لكن اتضح أن موكب الحياة الجديدة في المجال القانوني كان أبطأ سيراً مما توقع المحمصاني في الخمسينيات .

في القرن العشرين اعتمدت في غالبية البلدان العربية قوانين تجارية و جنائية و مدنية . ولم يبق في الغالبية العظمى من هذه البلدان باستثناء تركيا , وتونس , في إطار الشرع سوى الأحوال الشخصية ( الزواج و الطلاق و الإرث ) . والسعودية هي البلد الوحيد الذي يعتمد أحكام الشريعة خالصة .

أن النظام القضائي في السعودية المُكيف لدولة إقطاعية مركزية لم يكن مهيأ لمواجهة القضايا الاجتماعية الاقتصادية التي خلقها تطور المجتمع . واقتصر المذهب الوهابي على الأحكام المصاغة في القرون الثلاثة الأولى التي تلت ظهور الإسلام , و رفض كل ما ورد بعد ذلك عن الإسلام واعتبره بدعاً , وبعد اكتمال المذاهب الأربعة أغلق عملياً باب الاجتهاد الذي كان معمولاً به في القرون الأولى التي أعقبت الدعوة الإسلامية .

ورفض العلماء الحنابلة الاجتهاد رفضاً تاماً , و حاول رجال القانون السعوديون البحث عن حلول لمشاكل القرن العشرين في تقليد القرون السابع و الثامن و التاسع ما أوقعهم بالضرورة في طريق مسدود .

ثمة مثالان يبينان صعوبة تطبيق أحكام القرون الوسطى في القرن العشرين . فالقرآن يحرم الربا ولكن الاقتصاد الرأسمالي المعاصر لا يمكن أن يقوم بدون سوق نقدية يتحكم فيها ميكانيزم الربح . و يحظر نظام وكالة النقد السعودية الفوائد بينما تتجاهل تشريعات البنوك التجارية هذه المسألة تماماً .

و بغية عدم الخروج على أحكام الدين ابتدع ما يسمى ب ـ ” بدل ” كالخدمات , وهو مجرد تورية للفظة الفائدة .

القضية الثانية هي غياب القانون التجاري و رغم أن الشريعة حافلة بأحكام عديدة حول التجارة , إلا أنها لا تتطرق إلى الكثير من جوانب النشاط الاقتصادي المعاصر . وقد جوبهت محاولة سن قانون تجاري بمعارضة شديدة من رجال الدين .

وقد اقر عدد من رجال الدولة السعوديين بضرورة الجمع بين الشرع الإسلامي و متطلبات المجتمع الحديث . فقد ذكر احمد زكي يماني , وزير النفط و المعادن في محاضرة عام 67م إن تطبيق الأحكام الشرعية يتطلب انتقاء مبادئ من مختلف المدارس القانونية دون استثناء , استناداً إلى ما يتماشى و احتياجات كل بلد . و أشار إلى انه يجب سن قوانين تعتمد على الأحكام الشرعية العامة ومقتضيات الصالح العام . وكان ذلك بمثابة قطيعة مع المذهب الوهابي , لذا لم يلق تأيداً لدى رجال الدين وظل رأياً خاصاً بالوزير .

وقبل ذلك لم يكن ثمة صدى إيجابي لنداء الأمير طلال زعيم حركة ” الأمراء الأحرار ” الذي دعا أن تشرع الأبواب أمام الاجتهاد .

بيد أن علماء الدين السعوديين وجدوا في أحكام الشريعة منفذاً لتبرير الأصول القانونية الجديدة اللازمة لإدارة الاقتصاد والمجتمع . فقد اتفق رجال الدين في صدر الإسلام إلى تقسيم أحكام الدين إلى واجب و مندوب و حرام ومكروه و مباح . وقد استخدمت الدولة في السعودية “المباح” فاعتمدت منذ العشرينات النظم والمراسيم الملكية التي كانت عملياً بحكم القانون وإن لم تتخذ شكله.

اضطرت المحاكم السعودية التي تعتمد الشريعة , إلى نقل جزء من وظائفها إلى هيئات إدارية أو مؤسسات اجتماعية مثل الغرف التجارية والصناعية . وفي البدء كانت كل الحالات غير المنصوص عليها في الشرع الإسلامي يبت فيها اعتماداً على القانون المدني العثماني الموضوع في عهد التنظيمات , ثم وضع عملياً نظام قانوني جديد عماده المراسيم و الأنظمة الملكية وقرارات مجلس الشورى . وكمثال على ذلك نذكر اعتماد قوانين السير و المرور و قانون العمل ومرسوم حظر الإضرابات و المراسيم الخاصة بالضرائب و عمل الشركات و استثمار الرأسمال الأجنبي . وفي عام 1926م أسس في جدة المجلس التجاري , وهو بمثابة غرفة تجارة , ومنذ عام 1931 م اعتمدت” أصول التجارة ” المعتمدة على القانون التجاري العثماني لسنة 1850 م , بعد إسقاط كل المواد المتعلقة بالفوائد و الأرباح . وفي سنة 1954م حلت وزارة التجارة محل المجلس المذكور , وأُسست غرف تجارية في عدد من المدن . منذ مطلع السبعينات بدأ تأمين كل أشكال الملكية ولكن التأمين لم يشمل الحياة . وفي سنة 1970 م ألغيت القواعد العامة للملاك الموضوعة عام 1957 م و استعيض عنها بلوائح الانضباط الإلزامية للموظفين و المستخدمين كافة .

إن النظام القضائي الذي أرسيت أسسه في السعودية خلال العشرينيات والثلاثينات قد استمر معمولاً به في العقود التالية . بيد أن هيئة التدقيقات القضائية ألغيت في السبعينات وحلت محلها وزارة العدل والمجلس القضائي الأعلى .

وفي أواسط الخمسينات أسس ديوان المظالم التابع لمجلس الوزراء للنظر في القضايا الهامة و المتنازع عليها وصار الديوان بمثابة الحكم و هو في نفس الوقت مرجع إداري ينظر في الشكاوى المرفوعة ضد الإدارات الحكومية و في قضايا الرشاوى و مقاطعة إسرائيل و النزاعات الكبرى التي لها صلة بالقبائل و الأجانب . ويرى بعض الباحثين الأمريكان و البريطانيين أن ديوان المظالم يعود في جذوره إلى التقاليد القضائية الفارسية قبل ظهور الإسلام و التي اعتمدتها الشريعة فيما بعد . و يذهبون إلى أن انبعاث ديوان المظالم في السعودية و اتساع وظائفه هو دليل نوع من المرونة لدى مقلدي المذهب الحنبلي .

إن كل سكان المملكة سواسية أمام القانون من الناحية الشكلية . ولكن في واقع الحال كان أفراد الأسرة المالكة و كبار علماء الدين و أبناء العوائل الارستقراطية الكبرى يتمتعون بحصانة قضائية وهم فوق القانون عملياً و على النقيض من ذلك , فإن الأحكام السائدة ذاتها تنتهك حينما تروم السلطات التنكيل بالمعارضة .

 

 

المراجع كما ذكرت في الكتاب لهذه الجزئية كالتالي:

the kingdom of Saudi Arabia ,p 16,124

Kanuerhase R . The Saudi Arabian Economy ,p 25

“Middle East Record” ,Vol.2 p.124

المحمصاني . الأوضاع … , ص 325 -330

Area Handbook …,p.193