يكثر الحديث عن الذكاء الصناعي سواء من منظور تقني بحت  يساهم فيه تقنين وعلماء يناقشون الذكاء الصناعي الذي هو مستوى أعلى من مجرد تقنية البرمجة التقليدية و تطوير البرامج التي تسمح للحاسوب بتنفيذ المهام التي يحتاج الإنسان إلى استخدام العقل لحلّها , وينظرون للذكاء الصناعي كمشروع تطور علمي  قد يسهل حياة الإنسان ويشكل تقدم للبشرية .

وبما أن الذكاء الصناعي المقصود به  ليس مجرد تغذية الحاسب أو الاله  بالمعلومات بل تعليم الاله كيف تفكر كالبشر فهذا يجر إلى تعاطي الموضوع من ناحية فلسفية فإذا كنا سنصمم آلات تفكر كالبشر فلا بد لنا أن نفهم كيف يفكر البشر وهنا يُعاد طرح نقاش فلسفة العقل  إحدى فروع الفلسفة الجدلية التي تهتمّ بدراسة طبيعة العقل والأحداث الوظائف والخصائص الذهنية  بالإضافة إلى الوعي وعلاقتهم بالحالة الجسدية وخاصة الدماغ  فإذا كان من الممكن أن يكون للآلة  عقل كالإنسان فهل تملك الوعي أي حالات الإدراك والإحساس التي إلى الآن يصعب تحليلها وفهم ماهيتها بالتحديد .

وفي المقابل لهذا التبشير التقني واعتباره خطوة للتقدم وانتشار أخبار استخدام  الروبوتات  على أرض الواقع  وأصبح إعلان دولة ما  لمثل هذه الأخبار كنوع من استعراض القوة شيء يشبه نشر أخبار التسلح مثل  الأخبار من اليابان عن  تصميم فنادق تدار كاملة من طريق الروبوتات، إضافة إلى أنها تعتزم إطلاق  مزرعة  تدار بالروباوتات تقريبا وغيرها من الأخبار المشابهة .

ورغم هذا التبشير والتباهي إلا إن هناك توجس من  علماء وفيزيائيون مع زخم تسارع تطور أبحاث الذكاء الصناعي يعبرون عنه بطرح سؤال ماذا لو خرجت الآلة عن سيطرة البشر من ابرز العلماء الذين صرحوا بمثل هذه المخاوف  وفصل فيها عالم الفيزياء ستيفن هوكينغ .

هناك تخوف أخر بديهي يطرح دائماً عند الحديث عن الذكاء الصناعي وبالخصوص (الروبوت )  هل ستحل الآلة محل الإنسان هل سيفقد العمال وظائفهم فرب العمل بالتأكيد سيفضل  الآلة بسبب سرعتها وفاعليتها كما أن الآلة بطبيعة الحال  لن تأخذ إجازة سنوية أو تشتكي من ظروف العمل لكن هناك معضلة الآلة  ستكون مكلفة  لذلك ستبقى كثير من الوظائف للبشر  غلى الأقل إلى المستقبل القريب .

أيضا قد يولد إنتاج الروبوت وظائف أخرى قد تستحدث وظائف جديدة لصيانة الآلة وغيرها لكن هنا قد تكون محدودة لموظفين بمهارات معينة .

قد يكون كل هذا الحديث سابق لأوانه فكثير من المختصين مثل جون سورل يصنف أبحاث الذكاء الصناعي بذكاء صناعي قويّ و ذكاء صناعي ضعيف ويفرق بين الأبحاث العادية والأبحاث الطموحة  فالذكاء الاصطناعي الضعيف هو المحاكاة الناجحة للحالات الذهنية بدون أيّة محاولة لجعل الحاسب واعياً أو مدركاً لذلك. بالمقابل، فإنّ الهدف من الذكاء الصناعي القويّ هو جعل الحاسوب مماثلاً للتفكير البشري ونحن بعيدون عن أن نشهد انتشار للذكاء الصناعي القوي , وقد يكون النقاش  شبيه بنقاش هل تختفي الصحف بعد ظهور الانترنت وبعد عشرات السنوات لم تختفي الصحف وما حدث أنها طورت نفسها وواكبت النشر عبر الانترنت

بعيداً عن السؤال المباشر هل ستحل الآلة أو الذكاء الصناعي  محل الإنسان

نطرح سؤال أهم وهو هدف المقال هل الذكاء الصناعي سيشكل إضعاف لمفهوم القوة العاملة باعتبارها قوة ضاغطة لتحسين ظروف العمل او احد قوى الضغط عموما ؟

هل يكون الذكاء الصناعي السلاح الجديد الموجه  للطبقة العاملة  بعد سلسة ضعف وأضعاف تأثير الطبقة العاملة محاربة الطبقة العاملة بالقمع والتخويف قديم ولكنه الآن يتخذ  أساليب تهديد جديدة غير القمع المباشر هو التهديد بالبديل بدأ خاصة منذ السبعينات بعد صعود مراكز صناعية بعيدة عن دول الشمال الصناعي وبدأت الشركات متعددة الجنسيات في الاستفادة من التجارة الحرة ومن تدفقات الأموال لنقل الإنتاج إلى المواقع التي تحقق أعلى فائدة بأقل تكلفة للعمالة  فأصبحت  السلطة تهدد  بنقل المصانع إلى أماكن أخرى مما أدى  إلى إضعاف أدوات المساومة العمالية التقليدية وأصبح تأثير الإضرابات اقل اثر لوجود عمال بالداخل والخارج على أتم استعداد للعمل بدلا من العمال المضربين

أيضا في الثمانينات جرت بعض الأحداث التي أدت إلى ميل ميزان القوى ضد الطبقة العاملة مثل  فرض  الرئيس ريجان نهاية لإضراب مراقبي النقل الجوي عام 1982 م ,و انتصار رئيسة الوزراء البريطانية تاتشر على إضراب  عمال مناجم الفحم 1985م .

كذلك من عوامل ضعف الطبقة العاملة عامل مهم وهو الوجه  المتغير للقوى العاملة  فالعمال مثلا في صناعة الملابس ولعب الأطفال هم من صغار السن والبنات وهم اقل حرية وهي سمات لا تتصف بها العضوية النقابية  التقليدية  بينما بقي العاملون في قمة هيكل العمالة في قطاعات المعرفة والتكنولوجيا غير مقتنعين بأن مصالحهم ستتعزز من خلال المساومة الجماعية

أيضاً انتشار الوظائف الجديدة منخفضة الأجر في قطاع الخدمات مثل تحضير الطعام والحراسة والتنظيف وغيرها  ذات دوام جزئي وطبيعة تعاقدية قصيرة الأمد فقد يتركها العامل بسهولها لكونه شغرها في الأساس بشكل مؤقت فهو لن يضرب أو يخرج في مظاهرة لتحسين بيئة العمل .

الآن قد يكون كثرة   الحديث عن الذكاء الصناعي هو بهدف  إبراز تطور تقني  وسعي للتحسين والتطوير لكن قد يكون له وجه أخر وهو التلويح به من قبل التجار والشركات الرأسمالية الضخمة لإضعاف القوة البشرية العاملة  في مواجهة الآلة

إذا كان   رب العمل يطور أدواته ويستخدم الذكاء الصناعي كسلاح تهديد هل تستطيع الطبقة العاملة أيضا أن تستعد  للمواجهة مثل ما قام به عمال صناعة النسيج  بعد أن غابت أخبار الانتصارات العمالية لفترة  في عام 1997 م بنيويورك حيث مارسوا ضغوط  حتى حصلوا على قانون صارم للأجور وطوروا أدوات الضغط بالتحالف مع محامين و نشطاء  وجماعات حقوق إنسان وأكاديميين ومشاهير وفضح الممارسات السيئة في الصحف ومقاطعة المستهلكين للسلع .

وإعادة الاعتبار للطبقة العاملة  .

هل تدرك الطبقة العاملة وتتحد من جديد لكن هذه المرة يا بشر العالم اتحدوا

قد لا يكون الاتحاد مواجهة أو  محاربة التطور والاله قد يكون الأمر مجرد استعداد وتطوير أدوات وبدائل .

.

.