ناصر السعيد الاسم الأكثر شهرة  من يساريي السعودية والعضو الأبرز  بالإضرابات العمالية المبكرة إضراب عام 1953م , وإضراب 1956 م ,وكان من  المؤسسين للجنة العمالية المطالبة بتحسين أحوال العمال في ارامكو وكذلك من مؤسسي جبهة الإصلاح فُصل من عمله بسبب الإضراب عام 1953م ثم أعيد للعمل بعد مفاوضات بين الحكومة والشركة  بناء على أوامر من الملك سعود .

استمر السعيد يمارس نشاطه  وكان  معروف بتأثره بشخصية عبد الناصر وأفكار الوحدة العربية ومقاومة الاستعمار  كان يوعي العمال بحقوقهم وأيضا من  مطالبه سن الدستور و إجراء انتخابات ومنح حرية التنظيم النقابي. بعد إضراب عام 1956 م حدثت موجة اعتقال وكانت شديدة لأن المطالب لم تكن مطالب بتحسين أوضاع العمال فقط كانت تحتوي مطالب سياسية  كالمطالبة بإجلاء العسكريين الأمريكيين ,كما أن تحريض ارامكو الحكومة على العمال لعب دور باستخدام القوة هذه المرة .

  استطاع وقتها السعيد الهرب ولم يعتقل مع البقية  ويذكر علي سيد العوامي في كتابه عن تاريخ الحركة الوطنية  موقف السعيد قبل هروبه ومحاولته لإخراج زملائه من المعتقل يقول العوامي عن حادثة حصلت  يوم اعتقالات عام  56 م (…ولما عرف السعيد بالاعتقالات لم يعد لغرفته بالظهران وظل مختفي وذهب للقطيف لان سبعة من الثمانية الذين اعتقلوا في رأس تنورة  وجيء بهم للقطيف كانوا من قبيلة شمر من حائل وظن السعيد أن كون أمير القطيف حمود البقعاوي من حائل سيساعده ويمكنه من الدخول على المساجين لكنه لم يستطع  فهرب للكويت ولم يعد بعدها للسعودية  وأصبح المطلوب الأول للسلطات السعودية …) .

بعد هروب السعيد عاش متنقل بين أكثر من عاصمة عربية وبسبب خبرته الطويلة في الميدان النقابي و قدرته على الكتابة والعمل السياسي استطاع أن يستعين بأكثر من 13 صحيفة عربية لإيصال قضية زملائه المعتقلين والمطالبة بحق العمال واستمر بالاتصالات الرسمية والشخصية ويصدر البيانات ويكتب المقالات ضد السعودية ويدعوا المنظمات الدولية والأحزاب الوطنية للمطالبة  بإطلاق سراح المعتقلين  أيضا كان للسعيد دور في تأسيس كثير من التجمعات منها اتحاد أبناء الجزيرة العربية ومما ساعد  السعيد هو زيادة قوة  دعم عبدا لناصر له ببداية الستينات وذلك بعد إظهار السعودية مناهضتها لقرار الوحدة  بين مصر وسوريا فوجد السعيد في تلك الفترة  مجال واسع  لنشاطه في القاهرة في الإذاعة الرسمية والمؤسسات الصحفية و أصبح يبث برنامج عبر صوت العرب يتحدث فيه عن إسراف الأسرة المالكة وأوضاع العمال السيئة لكن هذا الدعم للسعيد لم يدم  وتوقف بعد النكسة  عام 1967 م  فقد ضعف الدعم المصري للتنظيمات المعارضة والناصرية السعودية بسبب انشغال عبد الناصر ببناء الجبهة الداخلية وبعد أن أضطر  على المساومة مع الملك فيصل .

بعد مصر  انتقل السعيد لليمن الجنوبي بعد أن قامت الثورة باليمن  عام 1963 م وانشأ مكتب للمعارضة  هناك لكن بدأت تضيق عليه الأحوال  فاضطر للتنقل متخفي بين العراق وسوريا ومصر واليمن واستقر بدمشق حتى حصلت حادثة اقتحام الحرم بقيادة جهيمان فتوجه لبيروت  ليعود من جديد ويكثف هجومه على الحكومة السعودية ففي  10 ديسمبر   1979م  أجرى شهاب أحمد الصحفي في جريدة الحرية اللبنانية  لقاء مع السعيد حول أحداث الحرم وكان السعيد ينظر لها كثورة شعبية مشترك فيها أبناء القبائل و أفراد من الجيش لكن الحكومة السعودية تصورها بأنها عمل جماعة  متشددة خارجة عن القانون و السلطة تمنع أي اتصال بين الثوار وبين محامين أو صحفيين ليسمعوا مطالبهم وكان السعيد يصف شعارات جماعة جهيمان بأنها  شعارات دينية ذات مضمون تقدمي ! كما أن السعيد من خلال إجاباته على أسئلة  جريدة الحرية كان يرى أن النظام باقتحامه الحرم المكي للقضاء على الثورة  يخالف الدين ويهدم المسجد الحرام بمدافع أمريكية ويرى أن هذا  سيرفع  معنوية الجماهير التي ستستلهم  من مواجهه الثورة الإيرانية لأمريكا حافزاً لتصعيد نضالها.

مثل هذه التصريحات كررها السعيد لصحف عديدة وكان يحضر المؤتمرات ويبشر بها  وكان آخرها مؤتمر الكتاب العرب الذي عبر فيه صراحة تأييده حركة جهيمان و استعداده لدعمها بكافة الوسائل  بعد شهر فقط من هذه التحركات تم اختطاف السعيد .ولو عدنا  للوراء لحياة السعيد بعد  خروجه من المملكة  عام 1956 م   تعرض للملاحقة ومحاولات اغتيال في البداية و لكن منذ بداية السبعينات  لم يكن هناك اهتمام لدى السلطة باعتقال السعيد خاصة بعد اغتيال الملك فيصل وتولي الملك خالد رحمه الله  الحكم وإصداره عفو عام عن المعارضين السياسيين وتم دعوتهم للعودة  عاد الكثير إلا السعيد  كان يشكك في نوايا النظام  وظل حر مستمر بممارسة نشاطه حتى حادثة اقتحام الحرم وإعلانه الصريح  تأييده لها  كما أشرنا  لذلك ,.وفي 17 ديسمبر عام 1979 م اختطف السعيد واختفى في  بيروت واختلفت الروايات حول مكان اعتقاله أو قتله ومن المتورط في خطفه ولكن الأغلب يردد أنه نقل  بطائرة للسعودية وأن عملية الاختطاف تمت  بمساعدة أفراد من منظمة فتح رغم تعاون ناصر مع الفدائيين ودعمه المطلق لقضيتهم ومن يومها لم يعرف مصيره  .وحتى عام 1983 م كانت تصدر بيانات باسم اتحاد  أبناء شبة الجزيرة تطالب بإطلاق سراح السعيد التي تقول انه معتقل و يتعرض للتعذيب في سجون الرياض .

انتهت قصة السعيد ومابين تضخيم الرفاق لسيرته و روايتها  بشكل تبجيلي وما بين تعتيم الحكومة وعدم إصداراها أي أرشيف يوثق ما حدث تضيع سيرة أمثال السعيد ولا يبقى سوى بعض القصاصات والأرشيف بالدول الأخرى  ,وعودة للسعيد تختلف النظرة لسيرته بتفاصيلها ولكن  مما لا يختلف عليه أن السعيد شخصية بارزة مؤثرة ألهمت حتى هوليود هذا الجانب من قصة السعيد لم يتم إلقاء الضوء عليه بشكل كبير  والتفاصيل هي أن سيرة السعيد وصلت  لهوليود عام  1963م عندما كان هوى هوليود يساريا  حيث أُنتج  فيلم عن معاناة العمال في  الشركات الرأسمالية بالجزيرة العربية وكانت قصة البطل مستوحاة بشكل كبير من قصة ناصر السعيد كان فيلم احتفائي ويصور قصة هروبه من السعودية  أسم الفيلم الهروب من الظهران escape from Zahrain   أدى دور السعيد الممثل روسي الأصل  يول براينر Yall Brynner  وتم تغير اسم  بطل الفيلم من ناصر السعيد إلى اسم شريف لدواعي سياسية  لكن الفيلم تم تحجيمه ولم ينتشر بشكل واسع  إلا بجهود  اللجنة الإعلامية في الاتحاد السوفييتي التي  أسهمت في انتشار الفيلم نوعا ما ولم يكن هناك نسخة عربية للفيلم أو أصداء له  سوى اجتهادات بعض البعثتين العراقيين حينما رافقوا الرئيس صدام حسين في زيارته لإسبانيا واطلعوا بالصدفة على النسخة الاسبانية للفيلم  التي يُقال أن الجنرال فرانكو عرضها أمام صدام  إذ أن الموسيقى التصويرية للفيلم كانت أنشودة قومية عراقية مشهورة ( لاحت رؤوس الحرب ) وهي أهازيج من التراث القومي العراقي, ولابد من الإشارة إلى  أن الفيلم مأخوذ من رواية للكاتب الإنجليزي مايكل باريت وكان قد عمل في ارامكو  بعنوان ( التعين في الظهران) (Appointment in Zahrain ).

إن كانت  مذكرات الرفاق أو الوثائق والأفلام  التي تظهر من حين لحين تحفظ شيء من السيرة تظل رواية  أهالي الشخصيات الوطنية عموماً  غائبة ففي حالة السعيد رواية  أهله غائبة عن إكمال المشهد  المعروف أن السعيد تزوج عام 1969 م ولدية  ثلاثة أبناء وإذا كان غيابهم بسبب أنهم بعيدين  عن نشاط والدهم  أين حمد السعيد شقيق ناصر أسمه غير معروف  رغم أنه ضمن من دخلوا سجن العبيد عمل بعد خروجه بوظيفة في الخطوط السعودية  و بعد عمله بفترة جاء تعميم سري  بالقبض عليه بتهمة مناصره أخيه ناصر وأخبره أحد موظفي الجوازات بالتعميم فهرب لبيروت ومنها انتقل لبراغ  وكانت حينها المعسكر الاشتراكي ودرس فيها و بعدها انتقل لإيطاليا وعمل بالتجارة ثم عاد للسعودية.

كان الأمل أن مرور أعوام طويلة قد يشجع البعض للحديث وإظهار بعض الوثائق لكن يبدو أن الأجواء لا تزال غير مرحبة بأي صوت يقدم روايته الخاصة وهذا يعيد التخوف والكتمان وتطوى كثير من الروايات ,كما أنه يبدو أن تسوية الحكومة مع اليساريين  والعفو عنهم وإعادة جنسياتهم ووظائفهم  منتصف السبعينات كانت مشروطة بالعفو مقابل الصمت للأبد أو أنه صمت اختياري عرفانا بجميل عفو حكومة الملك خالد رحمه الله .