السخرية هي الملاذ الأخير لشعب متواضع و بسيط ” ديستوفسكي .

 

الضحك وإطلاق النكات عملية عفوية تمارسها الشعوب لكن يتم تناولها بالتحليل والدراسة وتُؤلف فيها الكتب كونها تعبير عن المسكوت عنه  فمطلقها غير معروف وبالتالي هو ناجي من العقوبة والملاحقة  وتعتبر كذلك  أداة لقياس الرأي العام  والعقل الجمعي فوسائل الاتصال الحكومية وقنواتها مفتوحة للسلطة والنخب تعرف طريقها عبر الندوات والكتب وبقي للشعوب أن  تعبر عن طريق النكتة حيث لا واسطة ولا رقابة .

يقول عادل  حمودة في كتابه ( النكتة السياسية ) ” تتفجر النكتة بعد الأزمات كتنفيس عن الشعوب خاصة عندما لا يوجد أمل في الإصلاح و تنمو في ظل الديكتاتوريات حين تضعف وسائل الإتصال بالحاكم و تكون الرقابة شديدة “

و يذكر ( حمودة ) مثالاً على إنتشار  النكتة بعد الأزمات السياسية ما حدث في مصر بعد النكبة عام1967 م لدرجة أن ألقى الزعيم جمال عبد الناصر خطاباً يطالب  الشعب بالتوقف عن إطلاق النكات على الجيش لأن ذلك يؤثر على معنويات الجنود .

ولأهمية النكتة كونها – ترمومتر – يقيس الرأي العام ذكر حسن أبو باشا وزير داخلية سابق في مصر انه كان هناك خمسين مركز إعلامي مهنته جمع النكت وإيصالها للرئيس .  وكما ردد كثيراً الكاتب أنيس منصور أنه أُعتقل في عهد عبد الناصر بتهمة إطلاق النكت ضد الرئيس.

 

 

و هكذا في كل مجتمع إذا كان الواقع مرير بسبب  ضيق الحالة الاجتماعية والأزمات السياسية تنتشر النكتة  يقول أوسكار وايلد” إذا أردت أن تقول الحقيقة للناس فأجعلهم يضحكون و إلا سوف يقتلونك “

ويقول بيير بومارشي ” أني أبادر بالضحك على كل شيء خشية أن أكون مضطر للبكاء على كل شيء “

 

في المغرب نشرت مجلة نيشان تقرير عن النكتة المغربية  كان سبب في إغلاق المجلة صنف التقرير النكت في المغرب بالنكتة السياسية التي تطال الملك وتصريحات الوزراء والنكتة الإجتماعية بين مناطق المغرب ونكت تابوهات الدين والجنس  .

 

و إذا أسقطنا تحليل النكتة  وأنواعها على المجتمع السعودي نجد أن السعودي  كان مستورد للنكتة وبدأ  بخلق  النكتة بنكهة محلية تقريباً قبل عشر سنوات كما  كتب صحافي سعودي أن الشعب السعودي أصبح  خفيف ظل بعد أزمة هبوط الأسهم عام 2006 .

 

وبالنسبة للمواضيع التي تتناولها النكتة في السعودية فهي  أما سياسية  أو اجتماعية أو تعليق على أحداث عامة  أو تابوهات الدين والجنس.

بالنسبة للنكتة السياسية كانت محدودة بسبب القدسية التي كان يعطيها الجيل القديم للعائلة المالكة وخرافة أن الجدران لها أذان لكن اليوم  انتشرت النكتة التي تتناول العائلة المالكة ومع ذلك قّل ما تتعرض النكتة  لشخص الملك لكنها تطال أي أمير يتصرف أو يصرح بتصريح غير مقبول

أتذكر أول مقطع صوتي ساخر انتشر بعد وجود الأجهزة الذكية  لشاب يقلد أصوات الأمراء عبد الله وسلطان وسلمان و كأنهم في حفل توزيع جوائز لحفظة القرآن ويقلد سلمان بشخصيته الشديدة العصبية يقول ( لا تحفظون قرآن عشان الدراهم ولا يهمكم سلطان يعطيكم خمسمية ريال وهو يلهف مليارات )  هي انطباعات عند الشعب عن شخصية الأمراء فسلمان معروف بالشدة والحزم  وسلطان معروف بثروته الضخمة من صفقات مع دول أجنبية كما تكتب بعض الصحف الأجنبية  وهو أيضاً رجل العطاء والخير لكنه يعطي قليل من كثير يستولي عليه كما يقال .

وتهكم الشباب من الأمير نواف بن فيصل كونه شاب صغير و لأنه  حفيد الملك يتولى مناصب أكبر من حجمه وينسب لنفس شعر يُشك بأنه قائله .فلما  توفي والده  الأمير فيصل بن فهد ثم توفت والدته أطلق السعوديين نكتة أن الأمير نواف مسكين لن يرث من أجداده الملوك لأن   أمه ماتت قبل والدها وكذلك والده توفي قبل والده  ونصحوا  نواف بالتقديم على جمعية الأيتام .

كذلك يطلق السعوديين  الألقاب المضحكة والإسقاطات الذكية على بعض العوائل المتنفذة مثل عائلة ال إبراهيم عائلة زوجة الملك فهد المعروفين بتنفعهم من السلطة أطلق عليهم الشباب السعودي ( البرامكة ) وبعد وفاة الملك فهد  ضحك السعوديين لأنهم سيشهدون نكبة البرامكة وزوال سلطة هذه العائلة .

هذه بعض  النكت التي تطلق على شخوص الأمراء والمتنفذين في السلطة

ومن حيث الأحداث والتعليق عليها أصبح الشعب السعودي سباق في خلق المفارقات والإسقاطات

فبعد أحداث الثورات في ميادين الدول العربية مثل مصر وتونس والبحرين أطلق السعوديين نكتة أنه طرح على الأمير سلمان سؤال عن أمكانية قيام شيء مشابه في الرياض فرد ( الرياض ما فيه إلا ميدان واحد وهو الصفاة وانتم عارفين وش يصير فيه ) ميدان الصفاة هو ساحة لإعدام المجرمين .

وحول استضافة الرئيس اليمني كان الشعب السعودي محتقن ورافض لوجوده واستفزازه لشعبه بالتصريحات  . وكان وقتها  مقيم بالسعودية بحجة تلقيه للعلاج وبعدها  سافر الملك عبد الله لأمريكا لتلقي العلاج  ظهرت نكتة أن طفل سأل والده لماذا لما مرض الرئيس اليمني جاء للسعودية ولما مرض الملك عبد الله ذهب لأمريكا رد والده : كل واحد يتعالج عند كفيلة .

ومن أعلى الهرم من العائلة المالكة  ننزل  إلى الوزراء و المسؤليين  أعتقد أن أي مسؤل لن يدلي بتصريح بعد اليوم إلا بعد دراسة لأن مع كل تصريح من فئة ( كلوا بسكويت ) يُرد عليه بشكل فوري وبسخرية لاذعة فيها تحليل منطقي ومقارنات واعية من شعب يضحك نعم لكنه يعرف ما يقول .

من هذه التصريحات الأنطوانيتية .. تصريح  مسؤول بعد ارتفاع سعر الأرز ” على المواطن السعودي أن يغير نظامه الغذائي ” وتصريح أحد أعضاء مجلس الشورى ” الأجانب ما يتزوجون السعوديات على سواد عيونهم ” !! وعلق صاحب البرنامج الكوميدي عمر حسين ناقص يقول يا أم ركب سوداء ..وصرح أمير أنه” لو عاد بي الزمن تمنيت أن أكون سباكا”ً سخر الشعب من هذه الجملة السخيفة وعلق بعضهم أن الوقت لم يفت يا سمو الأمير  .

وبعيد عن الإنتقام من المسؤلين ومحاسبتهم بالسخرية و وجعلهم أضحوكة

يسخر الشعب من بعضهم فيطلق السعوديون النكات على حسب المناطق والقبائل  .هناك نكتة عميقة جداً  تعبر عن نفسية الشخصية السعودية التي تعتقد دائماً أنها الأفضل دينياً والأقرب إلى الله  وكذلك إسقاط على أهالي منطقة القصيم لأنهم معروفين بالتزامهم الديني و وتصورهم أنهم أفضل من غيرهم و  وجودهم بكثرة في  مجال القضاء وإمامة الحرم تقول النكتة أن شخصين في القصيم يقولون لبعض هل تعرف أن أفضل من يطبق الإسلام هم السعوديين يرد صاحبه نعم وأفضل من يطبق الإسلام في السعودية هم أهل نجد ويرد نعم وأفضل من يطبقه من أهل نجد هم أهل القصيم ويستمر المقارنة حتى يصل أن أفض من يطبق الدين هو أنت وأنا .

ويسخر البدوي من الشخصية الحضرية  بأنها  لا تتمتع بشجاعة أو ” علوم رجال ” وبالمقابل يطلق الحضري نكات على الشخصية البدوية وتعاطيها مع الحضارة .. ويتقبل المجتمع من بعضه هذه النكت طالما لا تتعدى حدود الأدب والتجريح .

باقي موضوعين من التابوهات التي تتناولها النكتة عموماً وهي الدين والجنس السعوديون حذرين في إطلاق النكت الدينية أو التي تمس الرموز الدينية بسبب تربيتهم الدينية منذ النشأة وإيمانهم بحديث الرسول صلى الله عيه وسلم ( رب كلمة تهوي بصاحبها سبعين خريفاً )  والآية القرآنية ” مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ”…

وأما نكت الجنس فتنتشر بنطاق محدود بين أفراد في جلسات مغلقة وخاصة نظراً لحساسيتها .

 

الجميل في إنتشار النكتة و تصديرها  أن الشعب كسر حاجز أن له خصوصية وأنه مثل شعوب العالم له عيوب وأنتقد وضحك من نفسه وكذلك حطم  قاعدة تقديس غير المقدس وأن له حق التعبير والمعارضة حتى بالضحك .